احتراما للجيش والشرطة والقضاء

2011-11-19

المقال منشور بجريدة الأهرام 19-11-2011 م  


يبدو الدكتور السلمي مثل طباخ ملأ‏(‏ الطاجن‏)‏ باللحم الطازج‏,‏ والخضراوات الشهية‏,‏ وخبز الثريد الرائع‏,‏ ثم في نهاية الطبخة وضع عدة قطرات من سم السيانيد المركز القاتل‏,‏  وحين قلنا له سوف تقتلنا بهذا السم, وجدناه يصرخ فينا أنتم لا ترون سوي السم, وتتجاهلون اللحم والخضار وخبز الثريد, فيالكم من جاحدين! 

 

إن الاعتراض علي الوثيقة محل النزاع له عدة ارتكازات, أولها وأهمها احترام الجيش المصري العظيم, الذي كان دائما مؤسسة وطنية أكبر من أن تتلوث بصغائر الأحقاد السياسية, وأكبر من أن نشغله عن مهمته الأساسية بأي أمر آخر. 


من يحترم الجيش لا يورطه في نفايات السياسة, ولا يدخله طرفا في معارك الانتخابات والحياة اليومية المهينة, ولا يقبل أن يتزحزح الجيش عن واجبه المقدس في حماية أرض الوطن لصالح أمور أخري ليست من اختصاصه, ولا يستطيع أن يقوم بها. 


يظن البعض أن وثيقة السلمي ستحولنا إلي حالة تشبه حالة تركيا( المتخلفة), تركيا ما قبل العدالة والتنمية, تركيا التي يحكمها الجيش لا البرلمان, وأنا أحب أن أنبه إلي أن الوثيقة المزعومة ستضعنا في وضع أسوأ بكثير من ذلك, إن هذه الوثيقة ستحولنا إلي حالة أشبه ما تكون بالديمقراطية الباكستانية, وهي أسوأ من الديمقراطية التركية مائة مرة. 


ستسيس هذه الوثيقة الجيش المصري, وستحوله إلي طرف أصيل في الحياة السياسية, وستخلق مراكز قوي داخل الجيش المصري, ومع مرور الوقت قد تتعارض المصالح بين مراكز القوي تلك بما يؤدي إلي خلق أوضاع استثنائية نحن في غني عنها, وسوف تخصم من رصيد الجيش عند الشعب, وسوف تخسر الأمة كلها وليس الجيش فقط إذا قبلنا بهذا الوضع الدستوري المشوه الذي تحاول الوثيقة أن تخلقه بدون داع. 

 

يحاول الدكتور السلمي أن يبين لنا أن مشكلة الوثيقة في المادتين التاسعة والعاشرة, بينما المشكلة تبدأ من الديباجة التي تجعل الجيش حاميا للشرعية, وتخلق وضعا جديدا للمجلس الأعلي للقوات المسلحة, وتعطي الحق للسلطة التنفيذية في تكميم الأفواه بإغلاق الصحف وقنوات التلفزة( راجع المادة13). 


إن محاولة الالتفاف علي إرادة الأمة, واستباق الأحداث لخلق أوضاع علي الأرض قبل انتخاب البرلمان, ومحاولة فرض رأي أو توجه بعينه من خلال( تخليق) الجمعية التأسيسة علي هوي معين يعتبر عملا غير مشروع, ومن يشترك فيه سيحاسبه الله والتاريخ. 

 

هذه الوثيقة عقد إذعان علي الأمة, ويجب معارضتها, ومعارضة أي توجه يملي علي البرلمان أي شيء من أي جهة, لأن الشعب هو الحاكم, واحترام الجيش يقتضي أن ننزهه عن معارك السياسة. لقد كانت الانتخابات التشريعية2010 أسوأ انتخابات أجريت في تاريخ البشرية علي ما أظن, فنحن لم نر ولم نسمع بمثل هذه الصفاقة والبجاحة في التزوير, ومن المضحكات المبكيات أن يشرف علي انتخابات2011 نفس الشخص الذي أشرف علي انتخابات2010 التي كانت من أسباب قيام الثورة, وهو السيد اللواء رفعت قمصان. 


وهذا إن دل علي شيء فيدل علي رغبة في استمرار الإيحاء بأن جهاز الشرطة ما زال يقف ضد الناس, وأنه سوف يشترك في تزوير هذه الانتخابات التي تريدها الأمة نزيهة شفافة بلا عنف أو رشاوي أو مؤثرات دينية أو عرقية. 


إن ترك نفس الأشخاص الذين أشرفوا علي التزوير في مواقعهم ليس إلا وقيعة جديدة بين الشعب والشرطة, وهو توريط لرجال الشرطة الذين يريدون أن يتطهروا من هذا الأمر. 

كلي ثقة أن رجال الشرطة أنفسهم سوف يرفضون أن يشتركوا في أي عمليات تزوير, لأنها معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل, ولأنهم قد فهموا الدرس جيدا بعد ما حدث في ثورة يناير العظيمة. 


رجال الشرطة جزء من الشعب, ولن يقفوا بأي شكل من الأشكال ضد إرادة هذا الشعب, واحترامنا لهم يقتضي أن نخرجهم من هذه المعركة. 


سيقول المذيعون من فلول النظام السابق:( نحن نحترم أحكام القضاء, ولا نعلق علي أحكامه) وستتكرر هذه الاسطوانة في أغلب القنوات, وسيقال ذلك تعليقا علي حكم المحكمة الإدارية العليا الذي أعطي فرصة ترشح للفلول في انتخابات البرلمان. 


ولي تعليق صغير خلاصته أن من يحترم القضاء لا يورطه في مستنقع السياسة, فمهمة القضاء تطبيق القوانين لا إصدارها, وعدم إصدار قانون العزل أو الغدر أو إفساد الحياة السياسية( سمه ماشئت) تسبب في إقحام القضاء في أمر لا دخل له به. 


إن قمة احترام القضاء المصري هو إصدار قانون العزل, وليس بإلقاء كرة النار تلك إلي حجر القضاة وهم جالسون علي منصاتهم! 


خلاصة القول, ستجري الانتخابات بإذن الله, وسوف يختار الشعب المصري العظيم الأصلح, وعلي الجميع أن يقوم بدوره من أجل هذا الوطن, والتاريخ لن يرحم كل من تخاذل.