حول علمانية الدول العربية (2-2)

2017-10-01

المقال منشور بموقع عربي21 بتاريخ 01-10-2017

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن العلمانية في الغرب، وعن العلمانية في بلداننا العربية ... وكيف أن الأولى منتج بشري اختارته الغالبية، بعكس الوضع المؤسف في الدول العربية، حيث فرضت العلمانية بقوة السلاح في أغلب الحالات.

من هذا المنطلق قرأت فتوى مفتي تونس في مسألة المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث في جميع الحالات ... وقد تعجبت كل العجب !

لقد استندت الفتوى على أمر أساسي، وحجة واحدة هي عمدة الاستدلال، وهو أن السيد الرئيس يعلم مصلحة البلاد أكثر من الجميع، تقول الفتوى في ديباجتها : (إن الأستاذ الباجي قايد السبسي رئيس الجمهورية التونسية أستاذ بحق لكل التونسيين وغير التونسيين، وهو الأب لنا جميعا، بما أوتي من تجربة سياسية كبيرة، وذكاء، وبعد نظر. 

وفي كل مناسبة وطنية أو خطاب إلا ويشد الانتباه، لأنه معروف عنه أنه يخاطب الشعب من القلب والعقل، ولذلك يصل كلامه الى قلوبنا جميعا وعقولنا) ، أي علمانية تلك التي تقبل بأن يتملق مفتي الجمهورية رئيسها بهذا التملق الرخيص !

إنها ديباجة مناسبة لكل استبداد، وما بعدها لن يكون إلا فرمانا علويا، سواء كان بفرض الحجاب والنقاب، أو بإنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بفرض مرسوم "تقدمي" بالمساواة بين الذكر والأنثى في الميراث !

واستمر المرسوم في نفاقه للسيد الرئيس من أول كلمة إلى آخر كلمة (وشكرا جزيلا للسيد الرئيس الباجي قايد السبسي محفوظا بالعناية الإلهية الدائمة).

أي علمانية تلك التي تقبل ذلك ؟!

وكيف استطاع بعض أصدقائنا أن يتشدقوا بقولهم (الإجابة تونس)؟ ... الإجابة خاطئة تماما ... فلا هذه هي تونس ... ولا هذه حرية ولا علمانية ... وهذا المرسوم ليس إلا شكلا من أسوأ أشكال الاستبداد، والفتوى تملق بذيء لرئيس الدولة يذكرنا بأوروبا القرون الوسطى لا أوروبا الحديثة.
 

* * *

لو قارنت بين المرسوم التونسي (وهي أكثر الدول العربية تقدمية وعلمانية)، وبين المرسوم الملكي السعودي الذي صدر بإباحة قيادة المرأة للسيارة (وهي أكثر الدول رجعية) ... لن تجد فوارق حقيقية تذكر ... إنه منطق واحد ... فالحاكم هو العالم بمصالح الدولة ومصالح العباد ...! 

يقول المرسوم السعودي : (ولكون الدولة هي - بعون الله - حارسة القيم الشرعية فإنها تعتبر المحافظة عليها ورعايتها في قائمة أولوياتها سواء في هذا الأمر أو غيره، ولن تتوانى في اتخاذ كل ما من شأنه الحفاظ على أمن المجتمع وسلامته) !

ولو قارنت بين المؤسسة الدينية التونسية (التقدمية)، والمؤسسة الدينية السعودية (الرجعية)، لوجدت تطابقا كاملا بين الاثنين، فكما قال مفتي تونس : (إن الأستاذ الباجي قايد السبسي رئيس الجمهورية التونسية أستاذ بحق لكل التونسيين وغير التونسيين) ... قالت هيئة كبار العلماء في السعودية : (حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الذي يتوخى مصلحة بلاده وشعبه في ضوء ما تقرره الشريعة الإسلامية)!!!

وبالتالي ... لا فارق بين نظام ديني أو علماني إذا فُرِضَ على الناس ... ستكون النتيجة واحدة.

 

* * *

قد يظن بعض القراء أو المخالفين أن كاتب السطور ذو أيديولوجية إسلامية متحيزة ضد الحداثة والتقدم، والحقيقة أنني أصنف نفسي ضمن تيار وطني لا يعبأ بالأفكار والأيديولوجيات، وليس مستعدا لخوض معركة الأفكار قبل أن يُخرِجَ الوطنُ نفسَهُ من الزنزانة، ويستر عورته، ويداوي جراحه التي أعيته جراء التعليق والتعذيب، وأن يعالج نفسه من آثار الحبس الانفرادي لستين عاما في السجون الحربية، وأن يأكل أكلا نظيفا، وأن يشرب ماء يصلح للشرب ... بعد أن يتحقق ذلك تعالوا نتحدث عن الأيديولوجيا !

 

* * *

أنا من تيار سياسي هو على استعداد لاحترام منح الحرية لكل من يريد أن يجاهر بكفره بأي معتقد، حرية تامة لفعل ذلك، وأن يمنح هؤلاء حرية نشر أفكارهم من خلال وسائل إعلام خاصة لا كلمة فيها سوى لأصول المهنية المعروفة، (شريطة أن تكون قنوات تنشر الأفكار، وليست للسب والقذف والتحريض الطائفي).

ولكن إذا منحت الحرية لهؤلاء ... فلا بد أن تُمنح للجميع !

وإذا مُنِحَت الحرية للجميع فأنا على يقين بأن الإلحاد سيتراجع، وأن التدين الصحيح (لا الفاسد) سينتشر. 

رأينا بعد انقلاب الثالث من يوليو كيف أفسحت القنوات شاشاتها لبعض السفهاء الذين يشككون في كل شيء، في التاريخ العربي والإسلامي كله (بلا استثناء يكاد يذكر)، وفي السيرة النبوية، وفي البخاري ومسلم، وفي القرآن نفسه !

كل ذلك دون منح غالبية قوى المجتمع فرصة الرد، كل ذلك باسم العلمانية والتقدمية، فهي حرية باتجاه واحد فقط، مفروضة بجنازير الدبابات.
 

* * *

في هذا السياق (أعني سياق فرض العلمانية بجنازير الدبابات) تابعنا ما جرى أخيرا في مصر من احتفال رفع فيه علم للمثليين أو للشواذ – سمه ما شئت – فالنقاش حول الموضوع دار دون اعتبار للمعنى السياسي للأمر.

إن نظام "سيسي" يعاني اليوم من حصار بسبب انتهاكه للحريات، فبدلا من فتح الحريات السياسية قرر أن يفتح حريات أخرى، وهو بذلك يحرز نقاطا في ملف (الحريات) عند الأمريكان، ويحرك لوبيهات معينة تضغط على الإدارة الأمريكية.

وبالتالي ... قرر نظام "سيسي" أن يفتح جميع أنواع الحريات – بغض النظر عن رأي المتجتمع فيها – وأن تبقى الحريات السياسية محظورة كما هي، وللأسف الشديد وجدنا من الثوريين والتقدميين من يدافع – بشكل ما – عن هذا التوجه، دون التنبه للفخ الكبير الذي وقعنا فيه، فنحن بدفاعنا عن تلك الحقوق ... نوافق على منع الحقوق السياسية للمجتمع (حتى إذا كانت بيناتنا تحاول تلافي ذلك الفخ).

وهي السياسة نفسها التي اتبعها النظام السعودي، فهو يمنح المرأة حق قيادة السيارات – وهو حق لا يجادل فيه عاقل – وحق الترفيه والرقص، ولكنه في الوقت نفسه يحرم المواطنين من جميع حقوقهم السياسية ! 
 

* * *

أنا من تيار هو على استعداد تام لاحترام منح الحرية لكل من يريد أن يفتح بارا، أو أن يمارس أي شكل من أشكال الحرية أو الانحلال ... (سمِّهِ ما شئت) ... بشرط أن تعطي المجتمع حرية تكوين المؤسسات الاجتماعية والدينية التي تقاوم ذلك !

فإذا اختار شخص ما (مثلا) أن يكون وكيلا لشركة (سجائر) عالمية، وأن يغرق الشوارع بإعلانات تزين للشباب التدخين ... لا بأس ...!

ولكن من حق المجتمع أن يُمنح الفرصة الكاملة لتكوين مؤسسات تربي النشء على أن التدخين رذيلة، وأنه أمر ضار، وأن تقوم هذه المؤسسات بحملات لمقاومة التدخين، وإذا لم يُمنح المجتمع ذلك الحق أو تم تقييده بأي شكل، فمعنى ذلك أن الدولة تفرض على الناس التدخين (بشكل ما)، تماما كما فرضت على الناس التشكك في قرآنهم المقدس.

 

* * *

أنا على استعداد تام لاحترام منح الحرية في مسألة بناء دور العبادة، وأن تتساوى شروط بناء الكنائس والجوامع ... ولكن بشرط أن يتاح للمسجد تأدية الدور "الاجتماعي" الذي تؤديه الكنيسة، وأن يتساوى المسجد والكنيسة في البعد عن السياسية، وأن تظهر للعلن ميزانيات سائر المؤسسات الدينية (إسلامية ومسيحية).

أنا على استعداد لكل شيء، أي شيء، بشرط واحد ... الحرية ... الحرية للجميع !
وإذا اختار الناس بإرادتهم الحرة أن يساووا بين المرأة والرجل في الميراث ... لا مشكلة لدي، ولكن فرض أي قانون على الشعوب بقوة السلاح من قبل أنظمة بلا شرعية، وبلا رصيد، ولا تملك أهلية اتخاذ القرارات أصلا ... كل ذلك لا علاقة له بالعلمانية، ولا بالوطنية، ولا بفكرة الدولة الحديثة من أساسها.

 

* * *

الحرية ستضمن لنا مجتمعا متوازنا، يحافظ على دينه، ويعمر دنياه، أما فرض التدين أو العلمانية على الناس ... فلن ينتج لنا إلا دولا متخلفة، وأنظمة عميلة، وشعوبا مقهورة.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

 

رابط المقال على موقع عربي21