توحيد الجماعة الوطنية

2017-01-15

المقال منشور بموقع عربي21 بتاريخ 15-01-2017

واجب الوقت في مصر الآن هو توحيد الجماعة الوطنية، تلك المهمة التي يراها البعض مهمة مستحيلة بسبب حالة الاستقطاب السياسي التي تمر بها المنطقة العربية، بل ربما يمر بها العالم كله.

والحقيقة أنه كلما استقوى نظام عبدالفتاح "سيسي" الانقلابي على المصريين نرى أن إمكانية توحيد الجماعة الوطنية أصبحت أسهل.

مصالح المصريين جميعا ضد بقاء هذا النظام، مستقبلهم، أسلوب حياتهم، لقمة عيشهم، قطرة مائهم، ضرورات الحياة التي لا غنى عنها ... كل ذلك مهدد بسبب تلك العصابة التي استولت على الحكم بقوة السلاح، وتتخذ إجراءات الفناء والإفناء بدعوى الوطنية حينا، وبدعوى محاربة الإرهاب حينا آخر.

* * *

إن توحيد الجماعة الوطنية يقتضي من جميع التيارات والجماعات والأحزاب والشخصيات العامة أن تشرب كؤوس سم عديدة، لتذويب الفوارق بين المصريين، فيتحقق الاصطفاف على أساس واضح ... شعب ضد سلطة ظالمة.

كؤوس السم التي ينبغي أن يشربها الجميع:

أولا: تجاوز الخلافات الأيديولوجية
وأي وهم يتعلق بالفرقة الوطنية الناجية لن يفيد إلا النظام المستبد.

ليس مطلوبا من أحد أن يتنازل عن أفكاره من أجل أحد، بل المطلوب أن تؤجل هذه الخلافات لكي يبقى لنا وطن نستطيع أن نطبق أفكارنا فيه !

ثانيا : تنقية الصف الثوري
من المجرمين، ومن المخبرين، ومن متطرفين لا هم لهم سوى تفتيت الجماعة الوطنية.

تنقية الصف الثوري بلا مبالغة في الاستبعاد، وبلا تفتيت للصف بإدخال كل من هب ودب.

ثالثا : احترام الرواية الأخرى

لكل منا روايته التاريخية للأحداث الكبرى في تاريخ ثورة يناير، وتوحيد هذه الروايات مستحيل، لذلك لا حل سوى أن نعمل مع اختلافنا في رواية تلك الأحداث

رابعا : لا نصر بالضربة القاضية
ما تحقق ضد الرئيس المخلوع مبارك بالانتصار بالضربة القاضية في زمن قياسي من الصعب أن يتحقق الآن، ويجب أن نعمل من أجل تحقيق انتصار بالنقاط، ويجب على الجميع أن يعلم أن سقوط هذا النظام لن يستغرق وقتا كبيرا، ولكن ما بعد ذلك صعب، وسيستغرق جهدا وتضحيات.

خامسا : لا نصر لأي فصيل لوحده
لن ينتصر أحد وحده، حزبا كان أو جماعة أو شخصية عامة أو زعيما سياسيا، بل لا بد من أن تتوحد الجماعة الوطنية خلف مشروع، وحبذا تحت مظلة جامعة، تدير معركة إسقاط النظام، ومعضلة التحول الديمقراطي.

إذا تمكنا من تجرع هذه الكؤوس ... سنتمكن من الانتصار في زمن ليس بالطويل، وإذا حدث أي تغيير في المشهد المصري (ليس لنا دخل فيه) فتوحدنا يجعلنا جزء من المشهد، ويعطينا فرصة كبيرة للدفاع عن حقوق الناس، بدلا من مشاهدة سيناريوهات إعادة إنتاج الاستبداد أمامنا ونحن مجرد متفرجين.

* * *

السؤال المطروح اليوم ... علام تتوحد الجماعة الوطنية؟

والإجابة واضحة ... ستتوحد الجماعة الوطنية على خمس عناوين رئيسية، ولا بأس من الاختلاف في التفاصيل، هذه العناوين باختصار: 

أولا: التوحد على صفات وشكل الدولة المصرية الجديدة 

دولة الثورة، دولة يناير، دولة الناس، دولة المهمشين ... معكوس الدولة العسكرية، معكوس دولة الأسياد والعبيد.

ثانيا: التوحد على تصور مبدئي لبرنامج العدالة الانتقالية الذي ينبغي تطبيقه بعد أن تطوى الصفحة السوداء التي نعيشها الآن.

وهناك عدة مشاريع قد طرحت منذ يناير 2011، وغالبية هذه المشاريع متفقة على غالبية ما ينبغي أن يكون.

ثالثا: الاتفاق على شكل الفترة الانتقالية بعد إسقاط الانقلاب. 
وأستطيع أن أقول – بلا مبالغة – إن هذه النقطة ليست محل خلاف كبير بين التيارات المختلفة (خصوصا إذا اتفق الجميع على استفتاء تأسيسي في بداية هذه المرحلة الانتقالية).

رابعا: كيفية إدارة ملف العلاقات المدنية العسكرية 
وهو أمر سيحتاج وقتا طويلا، لكي نصل في النهاية إلى دولة مدنية، وجيش محترف لا علاقة له بالسياسة أو بالاقتصاد.

خامسا: ملف إعادة هيكلة أجهزة الأمن والأجهزة السيادية
وهو ملف يكاد يكون مجمعا عليه بين سائر التيارات، فلا خلاف يذكر في مسألة ضرورة التخلص من دولة الأجهزة الأمنية والتقارير السرية والاغتيالات السياسية والمحاكمات العسكرية والاختفاءات القسرية إلى الأبد !

* * *

هناك عقبتان أمام توحيد الجماعة الوطنية ... الأولى: نفسية!
فكثير ممن يتوقف عليهم تحقق هذا التوحد (أفرادا وجماعات) في حرج من مسألة التراجع عن مواقفهم، كما أن هنالك أزمة نفسية أخرى ... هي أزمة الثقة في الطرف الآخر !

هذه العقبة مع مرور الوقت بدأت بالتضاؤل أمام حجم انتهاكات النظام.

العقبة الثانية : المتطرفون داخل الصف الثوري

وهم في جميع التيارات والجماعات، ولا عمل لهم سوى تأجيج نار الفرقة، وإثارة الفتن، وإعادة نكء الجراح في كل ذكرى مؤلمة.

هؤلاء كانوا يتظاهرون بالعمل من أجل مصر والثورة ... ولكنهم الآن أصبحوا لا يعملون سوى من أجل تفريق الصف الثوري، وهم يفعلون ذلك بمنتهى الصفاقة والإصرار.

مع الوقت انكشف هؤلاء لكثير من المصريين الذين ظنوا بهم ظنا حسنا، ومع الوقت تضاءل تأثيرهم.

* * *
إن جميع الظروف مهيأة اليوم لتوحيد الجماعة الوطنية، وبإمكان أي منصف أن يرى تلك الرغبة في تنوع الموقعين على ميثاق الشرف الوطني، وكذلك تنوع المنضمين لحملة يناير يجمعنا.

لن يسقط الانقلاب لوحده، بل سيسقط بأيادينا مجتمعة، ولو سقط دون توحد الجماعة الوطنية (ولو توحدا نسبيا) فلا فائدة من سقوطه، لأنه سيسقط بخطة أخرى ليست في صالح الوطن.
آن الأوان.. اللهم إني قد بلغت.. اللهم فاشهد!

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...
 

رابط المقال على موقع عربي21