إيران والعرب!

2015-07-25

المقال منشور بموقع عربي 21 

لا بد أن تفهم هذه الأمة لكي تعرف كيف وصلت لإنجازها!

خلاصة الأمة الإيرانية في سجادها ... لا بد أن تفهم كيف تصنع سجادة يدوية لكي تفهم الأمة الإيرانية.
يقوم العامل المتخصص بتسدية النول؛ والتسدية هي نسج الخيوط الطولية للسجادة، ولا بد أن تتم بمنتهى الدقة، فالمسافة بين كل خيط وأخيه لا بد أن تكون مسافة واحدة، بالمليمتر.

من الممكن في سجاد الحرير أن يصل عدد الخيوط الطولية إلى اثني عشر خيطا في السنتيمتر الواحد، وبعد ذلك تأتي العقد العرضية، وقد تصل إلى اثنتي عشرة عقدة عرضية في السنتيمتر الواحد، أي أن بعض سجاد الحرير قد تصل فيه عدد العقد إلى مائة وأربع وأربعين عقدة في السنتيمتر الواحد ... هذا هو مستوى الدقة والصبر الذي نتحدث عنه !

عرض السجادة هو ما يحدد عدد العاملين فيها ... سجادة بعرض مترين يعمل فيها عاملان، وكلما زاد العرض كلما زاد العاملون.

السجادة قد تظل على النول عدة أسابيع، أو عدة شهور، أو عدة سنوات، أو عدة عقود !

 رأيت سجادة ضخمة بدأها الجد، وواصل الابن العمل فيها، ثم أتمها الحفيد ... وباعها هذا الحفيد في مزاد بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل ... بعدة ملايين من الدولارات طبعا !

السجادة عبارة عن خريطة واضحة المعالم، توضع أمام فريق العمل من اللحظة الأولى، كل عقدة لها موقعها، ولونها ... ألوان السجادة، والأشكال والرسومات ... كل ذلك موجود من اللحظة الأولى في (ماكيت) أو مخطط السجادة ... ولا مجال للارتجال أو الفهلوة.

حين انتصرت الثورة الإيرانية قامت دولة جديدة، استقوت بالناس، نجحت وأخفقت، أصابت وأخطأت، أبدعت وأجرمت، ولكنها في النهاية دولة لها مشروع، وفي سبيل نجاح هذا المشروع وضعت خطة واضحة ... وصبرت عليها وكأنها سجادة يدوية من الحرير الخالص ... وفي النهاية تم لها ما أرادت.

لقد تواكلت الأمة الإيرانية سنوات وسنوات ... كانوا في انتظار الإمام، كانوا لا يصلون الجمعة، فهم في انتظار الإمام !

حتى جاء الخميني ... وراجت نظرية "ولاية الفقيه"، والفقيه ينوب عن الإمام في إقامةالدولة، وفي صلاة الجمعة بالتأكيد. 

بعد ذلك رحل "الخميني"، ولا يوجد فقيه بحجم "الخميني" ليسدَّ مكانه، والسيد "الخامنئي" غالبا سيكون آخر الفقهاء المرشدين، ولا مشكلة في الأمر ... فقد تمكنت الأمة الإيرانية من تحويل المرشد العام للثورة إلى مؤسسة، كما تمكنت من ابتكار نظرية "ولاية الأمة" !

لقد تمكن الإيرانيون من استغلال سائر مميزات العرق الفارسي، والغل المجوسي، والعقيدة الشيعية، والموقع الجغرافي، والتاريخ الصفوي ... ونسجوا من ذلك كله سجادة بديعة ... وها هم بعد أكثر من ثلاثين عاما من بدأ العمل ... يجنون مزيدا ومزيدا من الثمار.
ماذا فعل العرب؟

مجموعة من الأنظمة بلا مشروع، لم تنجز شيئا على مدار عشرات السنين، إنجازها الوحيد هو طول البقاء في السلطة، وقهر البلاد، وإذلال العباد.

كل ما فعلوه أنهم قد قدسوا أنفسهم، وراكموا ثرواتهم، وورثوا أبناءهم، وحصنوا أنظمتهم، وحولوا ولاءهم لأعداء أمتهم ... فكانت النتيجة أنهم ازدادوا تخلفا وتراجعا في ميدان الأمم.

المشروع الإيراني كان من الممكن احتواءه منذ البداية لو كان للعرب مشروع مضاد، وكان من الممكن التعاون معه والاستفادة به ومنه لو كان للعرب مشروع منافس، ولكن ما حدث أن المشروع الإيراني قد تمدد في فراغ سني كامل، وكلما ازداد تراجع العرب كلما تمدد وتوغل مشروع إيران، واليوم ... وبعد أن فرضت إيران وجودها على العالم كله في اتفاقها التاريخي بشأن برنامجها النووي يحاول العرب اليوم أن يستدركوا ما فاتهم ... وأن يخترعوا حلا سنيا أو حلفا عربيا يقف في وجه المشروع الإيراني !!!

لقد تحيز العرب لأمريكا وإسرائيل، وتخلوا عن حركات المقاومة ضد إسرائيل ... فدعمتهم إيران.

وتراجع الإسلام السني بسبب تقليص ميزانيات الأزهر وتراجع دور دعاته في إفريقيا وآسيا وسائر قارات الدنيا ... فضاعفت إيران ميزانيات نشر التشيع، وانتشر المذهب الشيعي في مناطق ما كان ليصلها لو استمر العرب في أداء واجباتهم.

لقد باع العرب العراق فابتلعته إيران، واضطهدوا الأقليات الشيعية في بلدانهم، فمدت لهم إيران يد الدعم ... وهكذا في كل مجال من مجالات الحياة ... يتراجع العرب وتتقدم إيران لتسد الفراغ !

إن خيبة العرب الأساسية في أنظمة الحكم العسكرية التي حكمتهم خلال ستة عقود سوداء، وبسبب هذه العصابات العسكرية أصبحت دولنا حثالة العالم، ورؤساؤنا مجرمين دوليين.

النظام الإيراني يرضى عنه غالبية الإيرانيون، بعكس ما يروج أعداؤه، وقد يختلف معه كثيرون، ولكن الحد الأدنى من التراضي متحقق، بعكس ما هو حادث في غالبية بلداننا العربية، حيث يعيش غالبية الشعب تحت حكم الجبر والقهر.

لا تلوموا الإيرانيين على اجتهادهم ... بل لوموا حكامكم البهاليل على استخذائهم المخجل الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه.

إذا سألني أحد عن الحل ... فالحل هو ترك الناس ليحكموا أنفسهم مثل سائر الأمم التي تقدمت، وليقرروا بأنفسهم من هم أعدائهم ومن هم حلفائهم دون الإصرار على اللعب بعقولهم، أما محاولة إجبار الشعوب على السير على هوى الحكام فلن يكون له إلا مزيد من العواقب الوخيمة.

 قلنا ذلك في الماضي ... ونقوله الآن ... وسنظل نقوله حتى نحققه بأيدينا قريبا بإذن الله تعالى.

رابط المقال على موقع عربي 21