الخازوق !!!

2015-04-29

الخازوق لغة عمودٌ مُدبَّب الرأْس، كانوا يُجلِسون عليه المذنبَ في الأَزمان الغابرة، فيدخل في دُبره ويخرج من أَعلاه، فهو وسيلة من أسوأ وسائل القتل والتعذيب،  وقد عرفته سائر الأمم في سائر الحضارات تقريبا،وجَمْعُهُ خَوَازِيقُ، ويبدو والله أعلم أن الأمة المصرية قد لبست خازوقا مؤلما، وهي تحاول التخلص منه.

بعض المصريين انتبه لجلوسه على هذا الخازوقفي يوم 30/6/2013، وبعضهم انتبه لذلك في 3/7/2013، وبعضهم لم ينتبه إلا متأخرا، ولكن أجمع الحكماء والعقلاء والعلماء على أن الذكرى "الرسمية" الأولى للخازوق ستكون في 8/6/2015.

إنه التاريخ الذي لا يمكن أن يختلف عليه اثنان !

لقد لبسنا الخازوق، ولكن ردود الأفعال عليه اختلفت، وكانت كالتالي :

النوع الأول : معترف حزين متألم

هذا نوع من الناس لا يكذب على نفسه، بل يُعَبِّرُ بكل أشكال التعبير، ويصرخ من الألم في دبره سرا وجهرا، ويعمل من أجل نزعه من أحشاءه بأي طريقة.

إنهم أصحاب فطرة سليمة، وبعضهم يعترف بدوره في تسهيل الخزوقة الجماعية التي حدثت بسبب سذاجته، وهم اليوم يتحدون الظروف كلها للتحرر.

هؤلاء الذين يقاومون الخازوق ويرفضون الاستمتاع بالجلوس عليه هم أشرف الناس في مصر، وأغلبهم من الشباب، وهم من كل الاتجاهات الفكرية.

النوع الثاني : صامت عاجز
تراهم جالسين على الخازوق وكأنهم يجلسون على كرسي هزاز في حديقة عامة في نهار صحو في ريف فرنسا !

تعودوا على الخزوقة، وورثوها كابرا عن كابر،إنهم سلالات من المتخزوقين عبر العصور الملكية والعسكرية، ذرية بعضها من بعض، فترى جَدَّ الجَدِّ قد علم ابناءه كيف يتعاملون مع الخازوق، وكيف يجلس الواحد منهم عليه، وكيف يتعايش معه، وكيف يكتم ألمه، وكيف يمارس حياته مع وجود الخازوق في دبره، فترى أحدهم يضحك من كل قلبه، ويهتف بشعارات التأييد ... والألم في أحشاءه يكاد يقتله.

ليسوا سعداء بالخازوق، ولكن ما باليد حيلة !

هؤلاء أصبحت أمنية حياتهم أن يتخلصوا من هذا الخازوق، ولكنهم لا يجدون أحدا يرفع راية تجمعهم، ويشكون في كل دعوة ثورة أو تحرر خشية أن تكون تمهيدا لخازوق جديد، وهم الآن على وشك أن ينفجروا، فليس لديهم ما يخسرونه.

وسبب ضجرهم أن الخازوق الحالي لا مثيل له، فقد جاء بعد أن رفع الناس رؤوسهم، وشفيت أدبارهم من خوازيق الأزمان الغابرة، إنه خازوق على غفلة، بعد أن تعشم الناس بالحفاظ على بكارة أدبارهم، ولكن نصائح الأجداد تُخَدِّرُ هؤلاء، وتعشمهم بأنه يمكن التعايش مع هذا الخازوق، والحقيقة أن هذا مستحيل، هذا خازوق لا مجال للعيش أو التعايش معه !

النوع الثالث : مكابر مغرور

هذا النوع يعلم جيدا أنه جالس على خازوق، وبينه وبين نفسه يصرخ من شدة الألم الجسدي والنفسي.

الجسدي بسبب العذاب المادي، والنفسي بسبب المقلب الذي أكلوه وشربوه وهضموه، فقد ظن هؤلاء المساكين أن الخازوق لن يطولهم، وأنه مُعَدٌّ لعَدُوِّهم، وأنهم سيكونون سادة معززين مكرمين، وأن بلدهم سيبدأ أخيرا في البناء والتنمية، وأن الوطن سيصبح "قَدّ الدنيا"، وأن من يعاديهم مصيره الخازوق، ولكن الأيام أثبتت أنهم ليسوا أكثر من مقشة، كُنِسَ بها التراب، ثم كان الخازوق مصيرهم، ولكي يتجنبوا شماتة الناس تراهم يقولون (أين هذا الخازوق الذي تتحدثون عنه؟ والله لو كان هذا خازوقا فهو على قلبنا مثل عسل المانوكا النيوزلاندي الفاخر ... موتوا بغيظكم ... لقد ثبت علميا أن الخوازيق أفضل علاج للبواسير، وأنها تقي من الحسد) !

هؤلاء لا فائدة فيهم، بل يستحقون ما يجلسون عليه بسبب كبرهم على الناس، وتكبرهم على الحق، وعدم اعترافهم بالخطأ والخطيئة.

النوع الرابع : متواطئ مع الخازوق

وهؤلاء هم شر الناس، إنهم سبب خزوقة الأمة المصرية، وهم قسمان، القسم الأول : متواطئ يعلن تأييده للخازوق، يعتبرون خزوقة المصريين عملا وطنيا، وتراهم بكل صفاقة يدعون للاصطفاف على الخازوق!!! يسمون انتهاك خازوقهم للأدبار تضحية وإقداما في سبيل مصر، وكل من يعارض ذلك فهو عميل إرهابي خائن !

أما القسم الثاني (وهو الأخطر) : فهم المتواطئون مع الخازوق والراضون بخزوقته للناس وهم يتظاهرون بأنهم ضده، وأنهم مع الثورة، وأنهم يدعون (لبداية) جديدة لمقاومته، ولكن ترى حقيقة مطالبهم تتعلق بوضع بعض الكريمات لترطيب وتخفيف ألم الجلوس على الخازوق، إنهم قوم يقبلون بمبدأ الخزوقة، ولكن يعارضون بعض التفاصيل !!!

وستجد الصنفين ما زالواأحرارا طلقاء، يعيشون حياتهم مربوطين في الخازوق بحبل دون أن الجلوس عليه، فترى تصرفات الواحد منهم كلها محصورة في أن يفعل كل الموبقات لكي يحافظ على نفسه، ولا يعلم المسكين أن جلوسه على الخازوق قدر محتوم، بل إن خازوقه سيكون أكبر وأعظم وأشد تنكيلا.

قد يسألني سائل : هل الخازوق عمل فردي أم جماعي؟

والجواب : أجمع العلماء والحكماء على أن الخزوقة من الممكن أن تكون عملا فرديا، أو جماعيا.

وفي حالة الخزوقة الجماعية من الممكن أن تكون على مستوى الأسرة (مثل بعض الأسر التي شُرِّدَتْ في عصر الخازوق)، أو على مستوى الحي (مثل بعض أحياء محافظة الجيزة والشرقية في عهده الأسود)، أو على مستوى الطبقات (مثل حال الفقراء في أيام الخزوقة)، أو على مستوى الدولة كلها، وهذا حال المصريين جميعا، كبيرهم وصغيرهم،غنيهم وفقيرهم، مؤمنهم وكافرهم، عالمهم وجاهلهم، ذكرهم وأنثاهم !

في نهاية رسالتي للشعب المصري ولشباب ثورة يناير من كل الاتجاهات أحب أن أروي قصة فيها عبرة كبيرة، وهي تناسب المقام.

يحكى في العصور الغابرة أن رجلا أجْلَسَتْهُ الظروف على الخازوق، فجعل يصرخ ويصيح في السَّجَّان : (يا أيها السجان ... أستحلفك بالله أن ترفعني من هذا الخازوق وأن تجلسني على الخازوق الذي في نهاية الغرفة) !

فتعجب السَّجَّان من هذا الطلب، فالخازوق من قديم الزمان مواصفاته قياسية (standard)، ولا فضل لخازوق على خازوق !

فأثار ذلك فضول السَّجَّان، فاقترب من الرجل وقال له (ولماذا تريد أن أنقلك من هذا الخازوق إلى الآخر الذي في نهاية الحجرة؟ لا فارق بين الخازوقين أصلا !)

حينها استغل السجين فضولهوقال له : (انقلني إلى ذلك الخازوق الذي في نهاية الغرفة وأعدك أنني سأخبرك بالسبب).

ويبدو أن السَّجَّان لم يجد ما يخسره، ورغبته في معرفة الإجابة دفعته لتلبية رغبة السجين، وبعد أن رزعه على الخازوق الجديد، سأله (ها ... ما الفارق بين الخازوقين؟)

فأجاب السجين (لا فرق طبعا!)

فسأله السَّجَّان (لماذا طلبت أن أنقلك إذن؟؟؟)

فقال السجين المسكين (أريد أن أرتاح بين الخازوقين) !!!

إياكم يا شباب الثورة أن تقبلوا بأن تتحول لحظات انتصاركم إلى راحة بين خازوقين، لقد عرفنا أشكال جميع الخوازيق المدنية والعسكرية، الشبابية والعجائزية، الإسلامية والليبرالية واليسارية ... الخ

لقد ذقنا خوازيق تمرد، والأحزاب، والشخصيات العامة، والشيوخ، والسياسيين، والائتلافات، والدول العربية والأجنبية ... الخ، وفي نهاية الأمر تخزوقنا بأعلى رتبة يمكن أن يتخزوق بها شعب مسالم طيب !

الخازوق أسلوب حياة، هناك من يختار أن تصبح حياته خازوقا ممتدا، ومهما حاول الآخرون أن يدفعوه للقيام ... لا يقوم، بعض الناس يُفْنِي حياته في خوازيق الماضي، علي كرم الله وجهه ومعاوية ... الغزالي وابن رشد ... ابن تيمية ... ديكارت ... الدولة العثمانية ... محمد محمود ... الاتحادية ... رابعة ... ومعارك لا تنتهي، وهي ليست أكثر من خوازيق تاريخيةتعيق تقدم حياتنا للأمام.

الحق أن القصاص واجب، وأن العدالة لا بد أن تتحقق.

بقي سؤال أخير : هل يمكن للمخزوق أن يتحرر من خازوقه؟

والإجابة : ألم يأن للمتخزوقين أن يتحرروا من هذا الخازوق؟ وأن لا يكابروا؟ وأن يجمعهم الألم الرهيب في أدبارهم؟

هذا خازوق جماعي ... ولا خلاص منه إلا بقيام جماعي يربك السجان، ويسقط الخازوق، وما أتفه هذا السجان، وما أصغر هذا الخازوق وجنوده أمام رغبة الناس في التحرر !

البركة في الشباب الثائر الذي سينتزع حريته، ولن يقبل إلا بالحلول العادلة، ولن يساوم على حقوقه الإنسانية، واستقلاله الوطني ... وإذا رضيتم – يا شباب مصر – بأقل من ذلك ... فلن تظفروا إلا بخازوق متين !

عاشت مصر حرة بلا خوازيق ... يسقط الخازوق ... يسقط الخازوق ... يسقط الخازوق !

ملحوظة : أدعوكم جميعا إلى الاحتفال بالذكرى الأولى للخازوق في الثامن من يونيو القادم، ومن يدري ... لعل مصر تتحرر من هذا الخازوق قبل هذا التاريخ.

وأول مراحل التحرر من الخازوق أن يعترف الإنسان بأنه قد تخزوق، ثم يبدأ بالتعبير عن ذلك، على الحوائط، من خلال مصارحة الآخرين، من خلال هاشتاج، بأي طريقة شاء.

وبعد ذلك ... سَيَتَّحِدِ المتخزوقون في وجه ذلك الخازوق، وما ذلك على الله بعزيز.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...