هل تهدم الدولة المصرية الإسلام ؟

2015-04-18

سؤال غريب؟

ربما ... ولكن آن الأوان لطرحه بصراحة وبجرأة، وذلك لسببين، السبب الأول : لأننا أمام إجراءات فريدة، لم نعهدها في سائر عهود الدولة المصرية مذ دخل الإسلام مصر.

والسبب الثاني : أننا أمام نتائج وظواهر جديدة لا بد أن تدفعنا للتساؤل، أعني مهاجمة مقدسات الدين بشكل علني منظم، وانتشار ظواهر مثل الإلحاد والانتحار وغير ذلك.

في البداية أحب أن أسجل أن هنالك نوعا من البشر كلما رأى أمرا لا يعجبه في أي مكان أو زمان في العالم، تراه يصرخ (إنها حرب على الإسلام)، وأنا أسجل أنني لست من هذا النوع من الناس، لأن الحياة فيها دوافع كثيرة جدا للصراع، الدين واحد من أهمها، ولا يعني ذلك أنه الدافع الوحيد، بل في كثير من الأحيان لا يكون الدافع الأقوى.

هناك خلافات اقتصادية وسياسية وحضارية وتاريخية وجغرافية وعرقية وعنصرية وطبقية ... إلخ، هناك صراعات على الموارد والثروات والحدود والنفوذ ... إلخ، وهذه الخلافات والصراعات تحرك التدافع وتغذي النزاع بين البشر، وليس الدين فقط، ومحاولة استحضار الحرب الدينية في كل صغيرة وكبيرة عبر أحداث التاريخ يعتبر – في رأيي المتواضع – تسطيحا شديدا لفلسفة الصراع في التاريخ الإنساني، كما أنها تتجاهل عناصر أخرى (في منطقتنا العربية بالذات)، وكأن الصراعات لم تحدث في الوطن العربي إلا بعد ظهور الإسلام !

وقبل الدخول في صلب الموضوع لا بد أن نستحضر أيضا السياق العام الذي نتحدث فيه، فلا بد أن نتذكر أننا نعيش في مصر (وهذا ينعكس على الوطن العربي كله)، وأننا في عام 2015، أي بعد ثورة شعبية كبيرة قامت في يناير 2011، وبعد انقلاب عسكري أدى إلى تراجع لتلك الثورة (وأخواتها) في مصر ووطننا العربي الكبير.

هذه الأجواء ينتج عنها ظواهر نفسية (فردية/جماعية) كثيرة، منها ما يتعلق بالإحباط، ومنها ما يتعلق بالشك في المُسلّمات، ومنها ما يتعلق بالضغط النفسي والعصبي على سائر طبقات المجتمع، وعلى أجهزة الدولة نفسها، فرجالات الدولة يتصرفون بعنف نتيجة ما يتهددهم من أخطار المحاسبة على عشرات السنوات من التبعية والفساد، ونتيجة ما يهدد مصالحهم من مخاطر مباشرة. على الجانب الآخر يعيش الفصيل المنافس للسلطة (أقصد الإسلاميين بغالبية تكويناتهم وتنظيماتهم والمتعاطفين معهم) في محنة كبيرة، آلاف القتلى، وعشرات الآلاف من المعتقلين والمطاردين، ومئات الآلاف من المضطهدين، وضغوط في العمل، وانتهاكات في حقوق الإنسان تصل حد القتل على الهوية، والاعتداء على الأعراض ... إلخ.

هذا هو السياق المضطرب الذي تعيشه مصر (ومصر تجر معها الدول العربية).

الإسلاميون بضاعتهم الإسلام، صحيح أنهم يملكون رؤية سياسية أكثر نضجا من العسكريين، وأكثر أخلاقية وتحيزا للفقراء، ولكن ثبت أنها رؤية نظرية، كما أنها لم تأخذ فرصتها لكي تلتحم بالواقع وتصبح برنامجا قابلا للتطبيق في الفترة القصيرة التي وصلوا فيها للسلطة – شكليا – بعد ثورات الربيع العربي، فانقلاب العسكر في مصر حرم الفكرة من النجاح أو الفشل في التطبيق، وبالتالي ما زالت الدولة ترى المشهد بسطحية شديدة، ترى أن الإسلاميين يكسبون الناس بــ"كارت" الدين.

أما العساكر فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنهم يكسبون بالعنف المنظم الذي تستخدمه مؤسسات الدولة.

في هذه الأجواء تفتق ذهن الدولة المصرية عن حرمان الفصيل المنافس من "الكارت" الذي يكسبون به، وبالتالي وجدنا السيد "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع يخرج بكل جرأة مطالبا بمراجعات دينية، وبتنقية التراث، وفي أثناء ذلك اتهم الأمة الإسلامية باتهامات لو صدرت من أي زعيم غير مسلم لاعتبره العالم كله فاشيا عنصريا، بل لاعتبره شعبه (غير المسلم) يمارس التمييز ضد بعض المواطنين أو المقيمين، وبإمكانك أن تقارن بين كلامه وبين كلام "أوباما" حين قال إن الإرهاب لا علاقة له بالإسلام، والإرهابيون لا يمثلون الإسلام ولا المسلمين.

"سيسي" يرى الأمة الإسلامية والتراث الإسلامي (عورة) أو (بطحة) ينبغي أن نخجل منها !

"سيسي" غير متخصص في الموضوع، فهو جاهل جهلا تاما بتخصصات علمية متشعبة تسمى (العلوم الشرعية)، وهي مجموعة كبيرة من العلوم الدقيقة، يفني الناس أعمارهم في تحصيلها، وليس من السهل أبدا أن يتحدث فيها المرء بهذه البساطة والخفة، فالمتخصصون في المجال موجودون، وحساسية الموضوع لها احترامها، فنحن نتحدث عن "المُقَدَّس"، والآن يطالبنا رجل غير متخصص أولا، وله سجل "مثير للجدل" ثانيا ... يطالبنا بنزع "القداسة" عن "المُقَدَّس".

وبعد أن تجرأ وفعل ذلك وجدنا كل من هبَّ ودبَّ من هوام الأرض يُشكِّك في تراثنا، وأئمتنا، وعلمائنا، ولم يسلم الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته عليهم رضوان الله من هذه البذاءات، بل تجاوز بعضهم إلى حد الإساءة للذات الإلهية. ليس صدفة أن جميع المتحدثين في شأن تجديد الخطاب المزعوم لا يوجد فيهم متخصص واحد، وسبب ذلك معروف، فهم مجددون على طريقة "سيسي"، وما يريده "سيسي" من الصعب أن يقوم به المتخصصون، ولو قام به المتخصصون فسيقومون به على طريقة المتخصصين (حتى لو أساؤوا وداهنوا).

أعني أن هناك فارقا كبيرا بين الطبيب وبين "حلاق الصحة"، ما يريده "سيسي" لا يمكن أن يقوم به طبيب، لذلك تمت الاستعانة بحلاقي الصحة، وإذا صرخ أي غيور على علم الطب (هؤلاء ليسوا أطباء) ... ستجد الحمقى والجهلاء والمخبرين وبعض الطيبين السُّذَّج يصرخون (لا كهنوت في علوم الطب) !

نعود لسؤالنا مرة أخرى : (هل تحاول الدولة المصرية هدم الإسلام؟)

بعد بحث واستقصاء إجابتي : نعم ... وفي الوقت نفسه لا !

نعم؛ لأن الإجراءات التي تتخذها الدولة تتضمن هدما لقيم الإسلام، واعتداء على مكانته في قلوب غالبية المسلمين.

ولا؛ لأن الهدف الأساسي سياسي وليس دينيا.

المقصد مما يجري الآن من إثارة البلبلة بين الناس، وتشكيكهم في دينهم هو حرق "كارت" الدين الذي يؤدي إلى تصويت الناس للإسلاميين، والتعاطف معهم، والثقة فيهم، بما أدى في النهاية إلى تراكمٍ ورصيدٍ أوْصَلَهُمْ إلى الحكم.

الهدف من هذه الحملة أمران، الأول : القضاء على التَّديُّن الإسلامي (الإسلامي فقط)، لأن الدولة تعتقد أن المسلم المتديِّن ينتخب الإسلاميين (وهو اعتقاد غير سليم بالمناسبة).

ولذلك ستجد مظاهر التَّدَيُّن الإسلامي كافة تُحارب بشكل جَلِيٍّ، في كل مكان تصل له يد الدولة في مصر، في كل مؤسساتها، ومبانيها.

أما في المواقع الحساسة وشبه الحساسة فقد بلغ الأمر أن كثيرا من العاملين في تلك المواقع أصبحوا يخافون من مجرد تأدية الصلاة في أماكن عملهم، وأصبحت الصلاة شُبهةً يكتب فيها المخبرون تقاريرهم (فلان يداوم على الصلاة) !

والثاني : تشويه صورة الإسلام كما يفهمه الإٍسلاميون (الإخوان المسلمون بشكل أساسي). وهذا أخطر ما في الأمر، لأن إسلام الإخوان والإسلاميين (إذا جاز التعبير!) لا شيء يميزه عن إسلام بقية المسلمين من أهل السنة.

إنه إسلام متصالح مع البيئة التي حوله، لذلك ستجد إخوان المغرب مالكية مثل أهل المغرب، وإخوان مصر شافعية أو حنفية مثل أهل مصر، وإخوان الكويت حنابلة كأهل الكويت، وقس على ذلك، لن تجد (مذهبا إخوانيا) يميز إسلامهم.

وهو كذلك متصالح مع كثير من المختلفين معه، فالإخوان لا مشكلة لديهم مع السلفيين، ولا مع الصوفيين، وليست لهم رؤية عقدية خاصة بهم (كالولاء والبراء مثلا)، فعقيدتهم هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وكما قال مؤسس الجماعة (جماعة الإخوان دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، وشركة اقتصادية، وهيئة اجتماعية).

لذلك ستجد فقهاء الإخوان في ملايين البيوت المسلمة في العالم كله، من خلال كتب وفتاوى مئات الفقهاء من أمثال الشيخ الغزالي والقرضاوي وسيد سابق وغيرهم، وستجد كبار علماء الأمة في العصر الحديث يوقرون علماء وفقهاء الإخوان، كالشيخ الشعراوي وشيوخ الأزهر وعلماءه على مر العصور ... كل هؤلاء لا مشكلة لديهم مع شيوخ الإخوان ومنهجهم (بالمعنى الفقهي أو العقدي أو السلوكي)، ولا نبالغ إذا قلنا إنه لا فرق بين إسلام الإخوان وإسلام الدولة (ممثلا في الأزهر)، إنه الإسلام الذي نؤمن به جميعا ببساطة.

وبالتالي ... محاولة الدولة لهدم تصورات الإخوان عن الإسلام تتضمن هدما للإسلام ذاته، وهدما لأفكار أصيلة لا يمكن حذفها أو تغييرها في الدين، فهي أشياء لم يخترعها الإسلاميون ولم يبتكرها الإخوان.

أتحدث هنا عن الأفكار لا عن التنفيذ، أتحدث عن النظرية لا عن التطبيق، نحن أمام فاشية عسكرية تدوس دباباتها على الإٍسلام نفسه من أجل حسم خلاف سياسي مع الإسلاميين، أو من أجل صراع على السلطة.

نحن أمام نظام لا يرى أمامه إلا هدفا واحدا هو أن يُقصي هؤلاء ويحذفهم من معادلة السياسة، وأن يزيلهم من الوجود إذا استطاع مهما كان الثمن.

الدولة المصرية اليوم بلطجي ضخم الجثة، ولكنه معتوه، يمسك مقشة يطارد بها نحلة دخلت من النافذة، فكانت النتيجة أنه قد كَسَّرَ وأتلف محتويات البيت كله، ومازالت النحلة تطنُّ وتختبئ من هذا المعتوه الغبي، ومهما فعل لن يستطيع أن يقضي على هذه النحلة بتلك الطريقة، ولم يتغير شيء في المشهد سوى تدمير محتويات المنزل !!!

الدولة المصرية بفضل أجهزة الأمن الحمقاء وفي سبيل القضاء على الإخوان والإسلاميين، تعتدي على الإسلام نفسه، وتكسر كثيرا من ثوابت الدين !

كيف يكسب الإسلاميون قلوب البسطاء؟

بالعمل الخيري؟ امنع العمل الخيري واجعله جريمة منكرة ... حتى لو كان ذلك ضد صريح الدين، وحتى لو أدى ذلك إلى موت مرضى الفشل الكلوي، أو تشريد آلاف اليتامى، أو ضياع عام دراسي من طلاب مدارس معينة ... إلخ.

كيف يكسب الإسلاميون أصوات الناس؟

بالنقابات؟

أغلق النقابات أو أمِّمْها لصالح حفنة من المنتفعين والمخبرين ... حتى لو كان ذلك ضد حضِّ الدين على التكافل وخدمة الناس، وحتى لو أدى ذلك لضنك في حياة أعضاء تلك النقابات !

كيف يؤثر الإسلاميون في الجماهير؟

بالمساجد؟

حَوِّلْ المساجد إلى أقسام شرطة واملأها بعصابات الأمن، وحَوِّلْ كل من فيها إلى مخبرين ... حتى لو كان ذلك حراما شرعا، وحتى لو أدى ذلك إلى أذى للناس في ممارسة الشعائر !

ما هي مظاهر انتصار الإسلاميين؟

الحجاب؟

ابدأ حملات ضد الحجاب ... حتى لوكان واجبا شرعيا في جميع المذاهب الإسلامية، شكك في شرعية الحجاب أساسا، ولا تلتفت لمن يقول لك إن الحجاب ظاهرة أوسع وأعمق من ذلك !!!

اللحية؟

طارد الملتحين واضطهدهم ... حتى لو أجمع المسلمون على أنها سنة على الأقل !!!

الكتب؟

امنع كتبهم من معرض الكتاب ... حتى لو أدى ذلك إلى تجهيل بالدين السليم !!!

ويظل النظام يبالغ في طرح السؤال كيف يكسب الإسلاميون الناس؟ وكيف نجفف منابعهم؟ وكيف نزلزل الأرض تحت أقدامهم؟ حتى يصل إلى هدم الإسلام نفسه، ومحاربة شعائره، لأن الإسلاميين يكسبون قلوب الناس به، أو لأنهم يستخدمون هذا الكارت في العملية السياسية!

لقد قرر النظام مصادرة "كارت" الدين ووضعه في جيبه، فصنعوا نسخة حكومية أمنية مخابراتية دولتية عسكرية من الإسلام، وأصدروا كتيب إرشادات من المخابرات العسكرية وأمن الدولة يُعَلِّمُ الناس دينهم، حتى لو أدى ذلك إلى موجات من الانحلال والإلحاد. لقد أصبح هذا الملف الشائك الحساس (ملف الخطاب الديني بكل مافيه) ملفا أمنيا خالصا، لا رأي فيه إلا لمجموعة من الضباط، وهو ملف بالغ التعقيد، ولا يمكن معالجته برؤية أمنية فقط، خصوصا في ضوء المؤهلات المحدودة والثقافة القاصرة لمن يديره.

فلنفصِّلْ مناهج جديدة لتربية النشء، فلنحذف أشياء من المقررات، ولنضف أشياء أخرى !

ما زلت لا تصدقني؟

فَسِّرْ لي إذن كل هؤلاء الذين يتقيؤون وساخاتهم على الشاشات تشكيكا في مُسَلَّماتٍ دينية وهم لا يكادون يحسنون تلاوة آية من القرآن، ولا تكاد توجد فرصة لشخص عاقل لكي يردَّ عليهم دون أن يتهم بأنه إرهابي منتمٍ للإخوان أو داعش؟!

لا بد أن يعرف القارئ الكريم أن الدولة وأجهزتها الأمنية تسيطر سيطرة كاملة على جميع أجهزة الإعلام، ولا يمكن أن يظهر ضيف واحد دون رضى الرقيب الأمني المخابراتي، وبالتالي، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتخيل شخص عاقل ظهور برنامج تلفزيوني ذي شعبية يتحدث في مواضيع حساسة، دون أن يكون ذلك مقصودا ومدفوعا وممولا ومصنوعا عمدا مع سبق الإصرار والترصد من أجهزة الأمن، وكل من يقول غير ذلك أو يتخيل أن الأمر صدفة، فهو مسكين !

لا يمكن (في أجواء القمع والتكميم التي تعيشها مصر) أن تصدر جريدة لا هم لها سوى التشكيك في الرسول والصحابة والأئمة بشكل منهجي متعمد، وفي العناوين الرئيسية بالبنط العريض دون أن يكون ذلك أمرا مدروسا مرضيا عنه !!!

كاتب السطور يقول ذلك بيقين تام، وجميع العاملين في الإعلام يعلمون جيدا أنه لا مجال اليوم لأي شكل من أشكال الظهور (المحدود) إلا برخصة أمنية، فما بالك بالظهور المنتظم المميز في ساعات الذروة، مع الحديث في المواضيع الشائكة، ومع السماح بإصدار وتمويل مؤسسات صحفية موجهة لغرض بعينه !

بقي في الموضوع ثلاث نقاط، النقطة الأولى : هل كاتب السطور ضد تجديد الخطاب الديني؟

بالعكس ! أنا مع ذلك تماما، ولكن بالاستعانة بالمتخصصين من أهل العلم، وبالتراكم على ما أنجزه العلماء بالفعل منذ عشرات السنين، ومع منهج يقودنا إلى ذلك، دون أن نفتن الناس في دينهم كما فتناهم في وطنيتهم، ونسيجهم الاجتماعي.

أنا مع تجديد العلماء المخلصين للخطاب الديني، ولا أرى أجهزة التخابر مؤهلة للتعامل مع هذه المواضيع أصلا، بل أراها تخرب هذه الملفات، وتدخلها يهدم الدين هدما.

ولا يكفينا هنا حسن النوايا، فكلنا نعلم أن حسن النية مع الجهل قد يؤدي إلى محاولة علاج (فيروس سي) بأسياخ الكفتة !

والدين أمره أخطر، وجميع المتحدثين في الإعلام اليوم ليسوا أكثر من "كفتجية" تماما مثل اللواء "إياه"، قاهر الإيدز بالكفتة.

الأمر الثاني : هل معنى كلامي أننا نتفق مع الإخوان في رؤيتهم السياسية؟

بالطبع لا !

رؤية الإخوان واجتهاداتهم السياسية تخصهم، وهي ليست جزءا من الدين أصلا، بل هي اجتهادات بشرية في شؤون الدنيا، ولا يزعم أحد – بما في ذلك الإخوان – أنها دين الله.

وينطبق ذلك على ما تتبناه الجماعة في مواضيع السياسة الشرعية كالخلافة مثلا، فهذا ليس رأي الجماعة، بل هو اختيار فقهي من آراء الفقهاء القدماء، وليس مذهبا خاصا اخترعته الجماعة.

وشأنهم في ذلك شأن كثير من الجماعات الإسلامية على مر العصور القديمة والحديثة، مثل الحركة السنوسية، والحركات الصوفية التي قادت النضال ضد الاستعمار في إفريقيا وآسيا وغيرها.

الأمر الثالث : هل يمكن أن يكون هناك عواقب لهذه الحملة الحمقاء التي تقودها أجهزة الأمن عن طريق أجهزة الإعلام بشكل أساسي؟

للأسف الشديد، لها عواقب، ولكن من الممكن أن تكون بداية لترشيد حقيقي للخطاب الإسلامي، ولكن لن يكون ذلك متاحا إلا بعد إسقاط سيطرة الأجهزة الأمنية على وسائل الإعلام، وعلى ملف الخطاب الديني كله، أي بعد إنهاء حقبة الحكم العسكري التي امتدت ستة عقود.

خلاصة الأمر : نحن أمام نظام يدوس على الدين دون أن يشعر؛ لأن حربه على الإٍسلاميين قد أعمت بصره وبصيرته، وإذا لم ننقذ هذا الوطن من هؤلاء فتأكدوا أننا سندفع الثمن جميعا، وسيكون ثمنا غاليا غاليا جدا !

ملحوظة : سيقول السفهاء من الناس – تزلفا للنظام – أنني أحاول تكفير الدولة والمجتمع، ومن ثم استعداء قطاعات رجعية عليه بسفك الدماء، وما شابه ذلك من العبث، ولأن الأمر أخطر من هذا الهراء، وجب إيضاحه دون تركه لتعدد التأويلات، ما أقوله بالحرف الواحد، هو أن ترك سلاح خطير في يد سفيه لا يجيد استخدامه يعرضه هو نفسه، ومن حوله، ومن يحتمون به، ومن أوقعهم حظهم العاثر في طريقه جميعا لخطر الإصابة أو القتل.

هذا "الغشيم" غير مؤهل لحمل هذا السلاح، ولا يدرك خطورة اللعب به، وهذا بالضبط، وبكل وضوح، ما يفعله الجنرالات حين يُدخلون دين الناس، وتدينهم، في معادلات وصراعات سياسية رخيصة، دون إدراك لخطورة الأمر.

أسوأ ما في الموضوع انضمام كثير ممن كنا نعدهم مثقفين لهذا المشهد الرخيص، بحيث يحدث الاعتداء على دين الناس تحت غطاء علماني ليبرالي مزعوم !

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

رابط المقال على موقع عربي 21