السيف والذبابة

2015-04-11

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 11-4-2015

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا"، لذلك لا عيب في أن نضرب الأمثال

بما قد يستصغره أو يحتقره الناس.

أتحدث عن الذباب، ذلك الكائن العجيب، يواصل إزعاجه للجالسين في الهواء الطلق، وهو كائن ذو ذاكرة ضعيفة، لذلك حين تهش الذبابة تنسى أنك قد هششتها فتعود لتحط عليك مرة أخرى، ولو أنها تذكرت لما عادت.

في هذه الأيام يحتفل المصريون بعيد شم النسيم، وهو عيد فرعوني قديم، في هذا اليوم نأكل سمكا مملحا نسميه "الفسيخ"، رائحته شديدة العفونة، وطعمه عندنا نحن المصريين من ألذ ما يمكن، ولكن أسراب الذباب تهاجم مصر في هذا الموسم من كل عام، وهذا يذكرني بإعلاميي الانقلاب الذين يهاجمون الناس في بيوتهم بأفكار عفنة، تماما كأسراب الذباب.

أشعر بشعور المصريين وهم جالسون في أعياد شم النسيم، يتناولون الفسيخ والرنجة والملوحة، والذباب يضايقهم، ولكنهم يكملون يومهم ويعودون إلى بيوتهم سعداء برغم أسراب الذباب الذي تجمع بسبب رائحة الفسيخ !

الذباب كائن غريب، وقدرته على البقاء جبارة، يُعتقد أنه موجود على كوكب الأرض منذ ملايين السنين، وهناك عشرات الآلاف من أنواع الذباب، أشهرها ذباب المنزل housefly (واسمها العلمي musca domestica)، وتمثل 91% من كل الذباب الموجود بين البشر.

الذباب يضايقنا هذه الأيام !

الفسيخ يجذب الذباب، وسلوك البشر غير المنضبط في التعامل مع القاذورات يؤدي إلى تزايد أعدادها، وبرغم تفاهة هذا الكائن فإنه قادر على مضايقتنا، بسبب "تلامة" سلوكه.

في وسائل الإعلام المصرية الآن كتَّابٌ وصحفيون ومذيعون وشعراء ومحللون استراتيجيون يذكرونك بالذباب في شم النسيم !

"تلامة"، وتَجَمُّعٌ على أي قذارة، وسلوك وأفكار أتفه من أن يرد عليها أحد، وهؤلاء نعلم جميعا أنهم صنيعة أجهزة الأمن والمخابرات، سمعنا التسريبات جميعا "العيال بتوعنا"، "الواد يوسف"، "البت اسمها ايه؟"، لا أذكر، وفي نهاية الأمر رأينا كيف تعامل معهم سادتهم فتم إغلاق بعض برامجهم بالأمر، ببساطة، (بخَّة) من مبيد حشري، فخرسوا !

هؤلاء عمرهم قصير مثل ذبابة المنزل (عمرها من أسبوعين إلى شهر في البيئة الطبيعية)، ولكن جنرالات الانقلاب يمدون أعمار هؤلاء المذيعين بصنع بيئة مثالية تضمن لهم عمراً أطول قليلا، وهذا ما يحدث مع ذبابة المنزل، من الممكن أن يمتد عمرها إلى شهرين ولكن في بيئة معملية مثالية. 

إعلاميو الانقلاب مجرد ذباب يسلطونه على الشرفاء، وواجب الشرفاء أن يتعاملوا مع الذباب كذباب لا أكثر !

هناك مشتركات بين إعلاميي الانقلاب، وبين الذباب، أهمها على الإطلاق تغيير المواقف والتوجهات بسرعة، وهذا أساس تسمية الذبابة لغويا، فالتَّذَبْذُبُ لغة هو التَّحرُّكُ، ولهذا يقال عن الرجل "مُذَبْذِبٌ" أو "مُتَذَبْذِبٌ"، أي مُترَدِّدٌ بين أَمْرَين، وفي القرآن الكريم في صفة المنافقين : "مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً".

فتجد هؤلاء الإعلاميين كالذباب في قدرتهم على المناورة، فالذبابة تستطيع أن تعكس اتجاهها فجأة، وأن تحول اتجاهها بزاوية قائمة، وفي أرجلها مادة لزجة تجعلها تلتصق بالحائط أو السقف، وكذلك الكتَّاب والإعلاميون المؤيدون للانقلاب، لديهم قدرة بهلوانية على التقلب وعلى الالتصاق بسبب لزوجتهم، فترى أحدهم يصرخ ضد قطر، يشتمها، يسب الأمير و"اللي خلفوه"، ثم ينقلب مرة واحدة ويمدح قطر وشعبها وأميرها فجأة، ثم تراه يمدح السعودية، يتغزل في كل ما هو سعودي، وفجأة يتدخل "عباس" فيبدأ بعد ذلك بتلقيح الكلام على السعودية، تماما مثل الذبابة حين تعكس اتجاهها فرارا من يدك وأنت تهشها.

ومن أوجه التشابه بين الذباب والإعلاميين العمل في جماعات، فالذباب يميل إلى تكوين مجموعات، وهو ما يصعب التخلص منه، وهم أيضا يعملون بالطريقة نفسها، فتجد أسراب الذباب هاجمتك مرة واحدة، أو تفاجأ بمانشيت واحد في جميع الصحف، وهذا ليس غباء، بل هو تفكير الذباب، فالذبابة كائن لا مخ له، فوزن دماغها واحد من مليون جزء من الغرام، وكذلك الكائن الانقلابي.

ومن أوجه التشابه بين هؤلاء الإعلاميين والذباب أن كليهما يقتات على الوساخة، فالذبابة تبيض حوالي 500 بيضة طوال حياتها، ويفقس البيض خلال يوم يرقة، وتتغذى هذه اليرقة على مواد عضوية متحللة (مثل القمامة والجيف والروث)، فاليرقة (أصل الذبابة) تربى على القمامة، وهكذا ستجد البيئة الأصلية لكثير من هؤلاء، وهذا ما يتغذى عليه إعلاميو الانقلاب الآن، الفضائح، فإذا لم توجد فضائح صنعوها ولفقوها، سب العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين، تشكيك الناس في دينهم وتاريخهم ورموزهم، وأسلوبهم ليس أكثر من ردح سافل، وكأنك تتعامل مع مومس اختلفت معها على الحساب.

من أوجه الشبه أيضا أن كليهما يتوقف نموه بعد توظيفه، فالذبابة يتوقف نموها بمجرد خروجها من الشرنقة، والذبابات الأصغر حجما ليست أصغر سنا، وإنما أقل تغذية حين كانت في طور اليرقة، وهذا ما يحدث مع (ذباب الانقلاب)، يتوقف نموهم، مهما فعلوا، ومهما نفخوا فيهم ليظهر أن لهم دوراً في التوجيه، يظلون صغارا، ويتم الاستغناء عنهم في لحظة، راجع ما حدث مع "العيال بتوعهم" خلال الأسبوع الماضي، وانتبه لما سيحدث خلال الأسابيع القادمة. 

وهناك أوجه اختلاف كما أن هنالك أوجه تشابه، أهمها أن أنثى الذباب تتزاوج مرة واحدة في حياتها، بينما يستطيع الإعلاميون المؤيدون للانقلاب أن يتزاوجوا مرات ومرات، فترى أحدهم ناصريا، ثم ساداتيا، ثم مباركيا، ثم ثوريا، ثم إخوانيا، ثم قوادا، ولله في حكم العسكر شؤون !

قد يسألني سائل : هل للذباب فائدة؟

والحقيقة إن للذباب فائدة، فيرقات بعض أنواع الذباب تستخدم فيما يعرف بـ"علاج اليرقات" maggot therapy لإزالة الأنسجة الملوثة في بعض أنواع الجروح، وكذلك في إنتاج بعض الأجبان، مثل جبن "كاسو مارزو" من ساردينيا، حيث تقوم عمليات الهضم لدى يرقات نوع ذباب اسمه "دودة الجبن" بتطرية الجبن وتطوير رائحتها، لكن إذا وصلت إحدى هذه اليرقات للأمعاء تظل حية وتسبب مشاكل صحية.

وكما نستخدم يرقات الذباب في صنع طعم لصيد السمك، من الممكن أن نستخدم هؤلاء الإعلاميين كاستشعار لنوايا الانقلاب، فإذا رأيت الإعلام تحدث فجأة عن شخص ما بأنه شريف، أو أنه "إخواني عاقل" فاعلم أنه رجل غير شريف، أو أنه مخبر جَنَدَّتْهُ الأجهزة الأمنية من أجل تنصيبه كمرشد لجماعة تحت الطلب يتصالح معها النظام، تماما مثل "الهنجر" الذي وضعوا عليه لافتة تفيد أنه تابع لوزراة الداخلية، لاستيفاء الإجراءات الشكلية !

وإذا رأيت الإعلام يسب شخصا بعينه فجأة فاعلم أنه لا شك رجل محترم، أو قام بشيء جيد على الأقل !

وإذا رأيت الإعلاميين يتحدثون فجأة عن (طهارة اليد)، فاعلم أن السرقة قد زادت، وإذا زاد حديثهم عن الوطنية فاعلم أننا في عصر الخيانة، وإذا تحدثوا عن تجديد الخطاب الديني، فاعلم أن هناك خطة لنشر الإلحاد ... وهكذا.

في النهاية ... ما هي أضرار الذباب؟

الذباب آفة ناقلة للأمراض، فهي تأكل بكثرة وتخرج الروث بشكل متواصل، ويمثل ذلك خطراً في نقل الأمراض، وبعضها أصبحت له مناعة ضد المبيدات الحشرية الشائعة، وكذلك أضرار الإعلام الانقلابي وذبابه، فهم ينقلون أمراضا نفسية فكرية دينية سياسية اجتماعية خلقية لكثير من متابعيهم.

الذباب حقيقة من حقائق كوكب الأرض، موجود في كل مكان منذ أقدم العصور، يتنقل مع الإنسان حيث كان، في الإنجيل (سفر الخروج) ذُكِرَ الذباب كأحد ضربات مصر العشر، وقد ذكر بعضها في القرآن الكريم في سورة الأعراف: "فأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ". 

وفي القرآن يذكر الذباب كرمز للهوان، ومع ذلك يقف الإنسان عاجزا أمام إنقاذ ما يسلبه ومن يدعو من دون الله عاجزاً عن خلقه "يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ".

سيبقى الذباب على الأرض، وسنظل نستمتع بحياتنا برغم وجوده، ولكننا لن نسمح للذباب بالسيطرة على حياتنا، ونقل الأمراض، وتدمير صحتنا !

ملحوظة : من وقت لآخر يُسلط عليّ الانقلاب العسكري بعض إعلامييه وكُتّابه، وتأتيني رسائل الأحباب غاضبة حزينة، يطالبونني بالرد، والحقيقة أنني أعرف قدري، وقدر والدي الحبيب سماحة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، وأعرف قدر الكلمة وقداستها، فيا أيها الأحباب لا تلتفتوا لهؤلاء، فمقامات الناس محفوظة، وأقدارهم معروفة، وإذا كان سبهم يضايقكم فإنه يضايقني، تماما كما يضايقني الذباب ...!

للكلمة قداستها.. الكلمة سيف.. وما كنت لأستلَّ سيفي من غمده لأقتل به ذبابة !
كل عام وأنتم بخير ... استمتعوا بفسيخكم !

رابط المقال على موقع عربي 21