المصالحة بالإعدام !

2015-04-04

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 4-4-2015 م

لا أحد في مصر اليوم سعيد !

الحاكم والمحكوم، الظالم والمظلوم، الغني والفقير، المتعلم والجاهل، المدني والعسكري، الكبير والصغير، الأنثى والذكر، المسلم والمسيحي ... صنف المصريين كيف شئت ستجدهم جميعاً في ضنك شديد.

لا أحد يستمتع بحياته – حتى لو كان في السلطة – في ظل هذا الوضع الأمني المتردي، وفي ظل هذه الأخبار التي تتوالى كل يوم عن مقتل جنود هنا وهناك، أو عن عبوات ناسفة تنفجر في كل مكان، أو عن حروب إقليمية توشك أن تحرق المنطقة بأسرها.

لا أحد يستطيع الاستمتاع بحياته في ظرف اقتصادي شديد الصعوبة، غلاء لم تر مصر له مثيلاً، وانصراف لغالبية الاستثمارات الأجنبية، وعزوف من رؤوس الأموال المحلية، وتغوُّل لسلطات الدولة الأمنية، ولسلطات "الجباية" التي أرهقت المصريين جميعاً.

سلطات "الجباية" تفتح دفاترها القديمة، وتلفق للناس ضرائب ما أنزل الله بها من سلطان، حتى عصرت الناس عصراً !

الدعم الخارجي الذي قيل إنه قد جاء في المؤتمر الاقتصادي وأقيمت له الأفراح والليالي الملاح، يتضح مع مرور الوقت أن الأمر مجرد (طق حنك)، ولا يوجد شيء حقيقي ملموس، باستثناء بضعة مليارات يعلم الله أين ستذهب فعلاً، ويعلم الجميع أنها لن تحل الأزمة الاقتصادية بأي حال.

خلاصة الأمر ... مصر كلها في ورطة !

بالنسبة للنظام لا حل أمامه إلا بمصالحة يُرضي بها "المانحين"، ويخلق بها استقراراً، مما قد يؤدي إلى تشجيع وجذب بعض الاستثمارات الأجنبية، ويخفف صداع الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان.

سيتاجر هذا النظام الموصوم بالاستبداد بالمصالحة في الخارج، وسيستفيد منها في الداخل، فلَذَّةُ الحكم لا تكتمل إلا باعتراف العالم، والحقيقة المُرَّة أن من يحكم مصر اليوم محروم من هذه اللذة، إنه حاكم (على نفسه) !

ولكن كيف يفكر هذا النظام في المصالحة؟ وما هو مفهوم المصالحة في نظر النظام؟ وكيف يمكن تحقيق هذه المصالحة على أرض الواقع؟

لكي نفهم ذلك لا بد أن نتفق على أننا أمام نظام قام واستمر على القمع والقتل والانتهاك، لذلك لا يمكن لهذا النظام (في ظل تركيبته وأشخاصه الحاليين على الأقل) إلا أن يستمر بالطريقة نفسها، وبالمبادئ نفسها !

تامل معي:

1- تصعيد خطير في معتقلات الانقلاب بتكدير المساجين بطريقة حقيرة، يحرمون المساجين من كل شيء، وإجراءات غير قانونية لا ترحم كبيراً أو صغيراً، مريضاً أو مسناً، لا مجال لإدخال أدوية أو أغذية. 

2- تصعيد أخطر يتعلق بالقتل الممنهج والتصفيات الجسدية (وهو أمر يزداد كل يوم بشكل سافل سافر)، والهدف تعويد الناس على ذلك، بحيث يصبح القتل خارج إطار القانون خبراً عادياً، وذلك يمهد ويفتح باب الاغتيالات السياسية الممنهجة.

3- أحكام الإعدام التي بدأ النظام بتطبيقها في غياب الإجراءات القضائية العادلة، كل ذلك يؤكد أن رؤية النظام للمصالحة ليست أكثر من فرض شروط الإذعان على المعارضين جميعاً، إنها مصالحة لا يتنازل فيها النظام عن أي شيء، بل يكسب فيها كل شيء، ويضمن أن معارضيه قد اعترفوا بهزيمتهم.
قضية "عرب شركس" على سبيل المثال، خلاصتها :

ترجع أحداثها لاقتحام قوات مشتركة من الداخلية والجيش لمخزن أخشاب في منطقة "عرب شركس" بالقليوبية في مارس 2014، مما أدى إلى مقتل ستة أشخاص، قالت عنهم وزارة الداخلية في بيان لها إنهم تابعون لتنظيم أنصار بيت المقدس.

وأكدت وزارة الداخلية، أن العميد ماجد أحمد إبراهيم صالح، والعقيد ماجد أحمد كمال شاكر، من خبراء مفرقعات سلاح المهندسين قتلا في الهجوم، بالإضافة إلى إصابة النقيب محمود عبد الهادى من قوة العمليات الخاصة بالأمن المركزى بطلقات نارية.

وقد قضت محكمة الجنايات العسكرية بمنطقة "الهايكتسب" بطريق السويس الصحراوي بتاريخ 21/10/2014 بإعدام سبعة من المتهمين في القضية المذكورة والمؤبد لشخصين آخرين، ومؤخراً تم التصديق النهائي على الحكم من وزير الدفاع ثم من رئيس جمهورية الأمر الواقع السيد عبدالفتاح السيسي.

بعض المتهمين قدم محاموهم أدلة مادية تفيد أنهم قد قبض عليهم قبل الحادث الذي يحاكمون بسببه بشهور، وفي النهاية ليس فيهم أي عسكري لكي تجرى المحاكمة أمام قاض عسكري من الأساس (ولكن دستور الحريات أمر بذلك)!

(المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا تمكنت من لقاء جميع المتهمين المحبوسين في القضية من خلال محامي المنظمة، وقد أكدوا أنهم تعرضوا للتعذيب بشكل بالغ القسوة لإجبارهم على الاعتراف بتهم لم يرتكبوها، كما تعرض بعضهم للاختفاء القسري على يد قوات الأمن قبل وقوع الجرائم محل الدعوى الجنائية بأشهر).

هؤلاء سوف ينفذ عليهم حكم الإعدام قريباً (هكذا يتوقع كاتب هذه السطور)، لكي يصل النظام بالتدريج إلى تطبيق أحكام الإعدام ضد أي أحد، وخاصة ضد الفصيل الذي يرى فيه منافساً على الحكم (أعني الإخوان المسلمين). 

الهدف من كل تلك الإجراءات القمعية بداية من التضييق على المساجين وصولاً إلى أحكام الإعدام،  أن تفرض المصالحة المزعومة التي تضمن للنظام الاستمرار.

إنها مصالحة بين البيادة والصرصار !

هذه حقيقة نظرتهم للمصالحة، اخضعوا خضوعاً تاماً لشروطنا، وأعلنوا انسحاقكم وهزيمتكم، وارضوا بما تدفعه لكم هذه الدولة أو تلك من فتات الدولارات كدية لقتلاكم، وانسوا أعراضكم وسمعتكم ... افعلوا ذلك، وإلا سنسحقكم كالصراصير تحت البيادة.

يأملون بذلك أن يجبروا بعض القيادات والرموز على توقيع ورقة، وعلى صنع مشهد مفتعل لمصالحة مزعومة، ويتناسون أن الشارع يتحرك بالشباب، وأن الكلمة لهم، وان ملايين المصريين لن يقبلوا إلا بحل عادل.

هل نحن ضد المصالحة؟

حقيقة الأمر أن المصالحة مطلب الجميع، ولكن المشكلة في تعريف المصالحة، وفي شروط تحققها.
هناك أشخاص لا بد أن يختفوا من المشهد تماماً قبل المصالحة، وهناك شروط لا بد أن تتحقق لتضمن عدم إفلات السفاحين بكل هذه الدماء والأعراض والأموال.

المصالحة تعني أن يتم الاتفاق على برنامج واضح للعدالة الانتقالية، وأن يتم تطبيقه بلا هوادة على الجميع، بحيث تتحول مصر من سلخانة يتحكم فيها القوي، إلى دولة قانون تحمي الضعيف قبل القوي، والفقير قبل الغني.

إذا صبر حراك الشارع الشهور القادمة، وتمكن من فرض كلمته خلال الصيف القادم (وهو صيف ساخن ساخن)، فتأكد أن مستقبل مصر سيتغير، وأن تحولاً ديمقراطياً حقيقياً سوف يبدأ، وأننا سنثبت للدنيا كلها أن الطريق الوحيد للمصالحة هو تحقيق العدل.

حينها ستكون مصالحة بين أنداد، أساسها القصاص لا الثأر، وغايتها العدل لا الانتقام.

ملحوظة: أتضامن تماماً مع حملة إعدام وطن التي دشنتها التنسيقية المصرية للحقوق والحريات على موقع "أفاز"، لجمع مليون توقيع لوقف تنفيذ أحكام الإعدامات الصادرة بحق المعارضين المصريين.
رابط الحملة:

 اضغط هنا

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين..

رابط المقال على موقع عربي 21