مصر تستيقظ حين تسقط الأوهام

2015-03-18

كلما ازداد حجم الوهم الذي يبنيه الطغاة ... كلما اقتربت ساعة السقوط، وكلما كان السقوط أكبر !

قبل النكسة التي تسبب فيها حكم العسكر في مصر عام 1967 كان وهم القوة يصل بنا حد أن الناس قد صدقت أن هذا النظام المهلهل بإمكانه أن يلقي إسرائيل في البحر في عدة ساعات، وفي النهاية أفقنا على الحقيقة المؤلمة، ألقتنا إسرائيل في اليَمِّ في عدة ساعات، وما زلنا ندفع ثمن هذه الهزيمة حتى اليوم، وليتنا تعلمنا.

مؤتمر اقتصادي ... يُعيِّرُنا من نظموه بحسن تنظيمه، ونحن نشهد لهم بذلك، ولكن هل نستطيع أن نسأل كم تكلف تنظيمه؟ وهل هي تكلفة عادلة؟ 
كل من يسأل هذه الأسئلة سَيُتَّهَمُ بالإرهاب !

المؤتمر الاقتصادي اليوم يتغنى بمليارات الدولارات التي ستتدفق إلى مصر ... (أفلح إن صدق) !

مليارات الدولارات ودائع في البنك المركزي، أي أنها ديون مستحقة بفوائدها، علام تصفقون؟ هل تُعَدُّ الودائع استثمارا؟

هذا الشعب لن ينال قرشا من هذه المليارات، وهذا الذي أخذها باسم الناس مُلْكُهُ إلى زوال، وسيبقى مطلوبا من البسطاء أن يسددوا هذه الديون بفوائدها.

مشاريع بمليارات الدولارات؟

ما الجديد في ذلك؟

يبيعون الوطن كسلعة، ويبيعونه بخسارة !

هل تعتقد أنها المرة الأولى التي تحصل فيها مصر على مليارات ثم تهدر بسبب حكم العسكر؟

يقول محمد حسنين هيكل : "إن حرب الخليج منحت مصر مساعدات وهبات بلغت قيمتها 100 مليار دولار، إبان حكم الرئيس السابق حسنى مبارك، وإن جماعات المصالح التى أحاطت بـ"الأب" تَحَوَّلَتْ إلى سرب جراد، أتى على ما جاءت به السياسة، متحررة من الأخلاق، وأن الوعاء الاقتصادى الذى امتلأ بعد حرب الخليج، جرى تفريغه بالنهب بعدها" !
هذا كلامه أمامك :http://gate.ahram.org.eg/NewsContentPrint/13/54/168495.aspx

بالمناسبة ... محمد حسنين هيكل ليس عضوا في جماعة الإخوان المسلمين مثل السيد باراك أوباما، وبالتالي لا مجال للتشكيك في شهادته، وإذا شككت في نقلي لكلامه فبإمكانك أن تقرأ ما قاله في جريدة الأهرام الحكومية في الرابع من فبراير 2012.

وبالمناسبة ... مائة مليار دولار في أوائل التسعينات تساوي (ترليونا) من الدولارات اليوم، أي أضعاف أضعاف المبالغ التي يتفاخرون به اليوم، وفي النهاية ضاع كل ذلك.

هذه المليارات التي يتباهون بها – إذا افترضنا أنها ستدخل مصر حقا – لن تضيف جديدا، لقد أظهرت مصر بمظهر المتسول، ولكن ذلك لا يهمهم، ولن أطيل الوقوف أمام هذا الأمر.

هذه الميارات مجرد (اتفاقات) في علم الغيب، وللأسف الشديد لا يعلم أحد أي شيء عن شروط هذه الصفقات.

صفقة (BP) بريتيش بتروليوم وحجمها 12 مليارا من الدولارات يتحدث بعض المتخصصين عن فساد يزكم الأنوف في الصفقة، وعن إهدار للمال العام يجعل الرابح الوحيد هو الشركة العالمية، بينما مصر قد خسرت مواردها مقابل (مانشيت) في الصحافة المحلية !

هذه المليارات المزعومة – إذا أتت أصلا – فما تدفقت إلا بشروط إذعان، وإذا أردت أن تتأكد من ذلك فراجع بنفسك قوانين الاستثمار والضرائب التي عُدِّلَتْ خصيصا من أجل أن تصبح مصر بلدا يزداد فيه الأغنياء (وخاصة الأجانب منهم) غنى، ويزداد فيه الفقراء (وهم مصريون طبعا) فقرا على فقرهم.

لقد انبطحت مصر أمام المستثمرين، فالقرارات والقوانين اليوم في يد شخص واحد، وصل للحكم بعد أن رفع علينا السلاح، فأصدر "سيسي" قرارات بقوانين، تتعلق بتعديل قوانين الشركات المساهمة، وشركات التوصية بالأسهم، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، وقوانين الضريبة العامة على المبيعات، وقوانين ضمانات وحوافز الاستثمار، وقوانين الضريبة على الدخل ... وغيرها.

بل إن السيد "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع منح الحكومة حق تخصيص الأراضي بالأمر المباشر، وهذا باب فساد لا مثيل له، وذلك بعد أن عدّل قانون الإجراءات الجنائية لكي يصبح في صالح المستثمرين ضد عمالهم وموظفيهم الغلابة.

وصدرت القوانين السابقة بعد قرارات وقوانين أخرى تحصن المسؤول الحكومي إذا تورط في أمور تعتبر انحرافا بيِّنا، بل تحصن المسؤول الحكومي وتمنحه فرصة التصالح مهما ارتكب، وكأننا أمام دعوة لنهش لحم البلد حلالا سائغا، ثم يقولون لك إذا اعترضت (أنت لا تحب مصر، وتعميك تحيزاتك السياسية) !!!

يقولون للضباط "اضرب في المليان وسنحميك"، ويقولون للمسؤولين "وقع على ما نأمرك به والقانون يحميك"، والحقيقة المرة أن الحساب آت قريبا، فلا هذا سينجو بما قتل، ولا هذا سيفرح بما ربح.

لقد حوَّل "سيسي" مصر – في غيبة البرلمان – إلى بلد يربح فيه المستثمر الأجنبي (تالت ومتلت) كما يقول المثل، دون أن يستفيد غالبية أهل البلد الفقراء شيئا، وبلا ضمانات لحفظ ثروات الأجيال اللاحقة، ودون منح المال العام حصانة تذكر.

أستغرب ممن يؤيدون المؤتمر باسم حب مصر كيف استطاعوا قتل ضمائرهم، وكيف استطاعوا أن يصفقوا لمثل هذه القوانين التي صدرت في غيبة أي هيئة منتخبة.

أشفق على هؤلاء الذين يتمسحون بالثورة وهم يُطَبِّلون (باسم حب الوطن) لتشكيلٍ عصابي تفضحهم تسريباتهم واتفاقاتهم مع الدول التي يتم تخصيص الأراضي لمستثمريها.

يريدون منك أن تصفق لمجموعة من اللصوص تكتب كمبيالات على بياض باسم الشعب المصري، فيأخذون العمولات إلى أرصدتهم، ثم تغرق مصر في ديونها ... المغنم للأغنياء، والمغرم للفقراء.

إذا كنت من أصحاب الملايين فلا بد أن رذاذا من تلك الاستثمارات (إذا أقيمت) سيصيبك، ولكن إذا كنت من الطبقة المتوسطة، أو كنت من المنبوذين الفقراء لا قدر الله ... فلا مكان لك في مصر.

أضحكني أحد الأصدقاء الذين كانوا ثوريين، حين قال إنه سيدعم مشروع العاصمة الجديدة (هكذا سموه) بشراء شقة فيها، وسينتقل للإقامة هناك، ولا يعلم هذا "العبيط" أن هذا المشروع ليس لأمثاله، وأن أسعاره ستكون في متناول طبقة معينة في مصر، وستكون سائر هذه المجمعات الإدارية والسكنية للأسياد فقط.

هذه العاصمة الجديدة أنشأها "سيسي" لكي تكون بجوار قصره الجديد !
نعم ... قصره الجديد، أو مجمع القصور الذي يتم بناءه الآن داخل معسكر الهايكستب على طريق السويس، أي أنه سينقل العاصمة إلى جواره !!!
في خمسينات القرن الماضي كانت الدولة العسكرية المصرية تختار مقراتها ومواقع المشاريع حسب سكن الضابط المحظوظ الذي سيرأس المشروع، وعلى هذا الأساس كانت تقام المصانع والشركات، حسب موقع سكن حضرة الضابط.

اليوم ... عاصمة مصر كلها ستنتقل من أجل سواد عيون "سيسي"، نحن ننقل الشعب إلى حيث يريد الرئيس !!!
هل تعتقد أن مشروع العاصمة الجديدة فكرة لم تخطر على بال أحد؟
هل تحب أن أريك صورة "هتلر" وهو يتأمل ماكيتات "برلين الجديدة" !؟!؟

راجع مشاريع ما يسمى لجنة السياسات بالحزب الوطني.
هذه العاصمة المزعومة لا يمكن أن نناقش جدواها أصلا، فهذا قرار أكبر من أن يتخذه شخص واحد، وأهم من يتم تنفيذه بإسناد مباشر، وأخطر من أن يوضع على مرمى حجر من خط تماس حروبنا مع إسرائيل.

إن ما يحدث سفه كامل، والمصفقون له سيحاسبهم التاريخ قريبا، وهذا القرار الكبير لا بد أن يخضع لمناقشات موسعة من برلمان حقيقي، وأن يتم مناقشته لشهور بل لسنوات من سائر المصريين، وأن يتم إعطاؤه لجهات كثيرة لدراسته، ثم لتنفيذه، وليس لشركة واحدة !

إذا أردت أن تتأكد من كلامي فاقرأ ما كتبه المتخصصون في هذا الشأن، واقرأ كلام المؤرخ المحترم د.خالد فهمي عن ما يسمى العاصمة الجديدة (في موقع جريدة البداية).

إن المؤتمر الاقتصادي المزعوم ليس أكثر من تظاهرة سياسية، قدمت مصر كغزال ذبيح مشوي على طبق من فضة لمجموعة من الرأسماليين الجشعين، وهم ينهشون فيها الآن، كل ذلك ليكتسب نظام الانقلاب العسكري ورئيسه شرعية أمام المجتمع الدولي ... "سيلفي" مع المجتمع الدولي !

هل سينتج عن ذلك أي شكل من أشكال الاستقرار؟

هل سينتج هذا المؤتمر أي نهضة أو تنمية اقتصادية؟

للأسف ... ما عرض أمامنا ليس فيه مشروع واحد ينفع المصريين بشكل حقيقي، هذه المشاريع بملياراتها ليس فيها (السد العالي)، وليس فيها سوى مجموعة من مشاريع البذخ، لحفنة من الأغنياء.

لو كان لهذا النظام رغبة في التنمية لرأينا مشروعات تعليمية للنابهين من أبناء الفقراء، ولوجدنا رعاية صحية للبسطاء الذين نهشت أجسادهم أنياب المرض، ولوجدنا أي مؤسسة للبحث العلمي، أو للتكافل الاجتماعي، أو للمشاريع الصغيرة ... ولكنه نظام للأغنياء فقط، يقيم مؤتمرا للأغنياء فقط.
نتائج هذا المؤتمر الاقتصادي بالنسبة للفقراء سيكون ارتفاع أسعار الطاقة بسبب خصخصة المؤسسات طبقا لرغبة المستثمرين، وانهيار الخدمات في القاهرة الكبرى، لأن الموارد ستذهب لعاصمة الأغنياء، ومزيد من الضرائب على الفقراء لكي يعوض حجم الإعفاءات الضريبية على الأغنياء ... والخ
هل سينتج عن هذه الاستثمارات أي شكل من أشكال الإنتاج؟

أتحدث عن الإنتاج، وليس عن تجارة العقارات، هل تعلم يا عزيزي معنى الإنتاج؟

الإنتاج يعني أن تزرع شيئا أو أن تصنع شيئا ثم تتمكن من بيعه بسعر منافس للسعر العالمي، مهما كان هذا الشيء صغيرا أو تافها. 
سأضرب لك مثلا صغيرا جدا عن الإنتاج، إنه مجمع مزادات لبيع الورد في مدينة "آلسمير" في هولندا.

استطاعت هولندا أن تستثمر خبراتها في زراعة الزهور، واستحوذت على سوق التصدير وإعادة التصدير في هذا المضمار.
في مدينة آلسمير(Aalsmeer) بالقرب من أمستردام أقامت هولندا مبنى يعتبر من أكبر المباني التجارية على الأرض، بورصة يومية تباع فيها الزهور من سائر أقطار العالم، على مساحة 990ألف متر مربع (وأكبر بصمة مبنى في العالم: 518ألف متر مربع).

تباع في هذا المزاد حوالي 20 مليون زهرة يوميا، وتزداد بنسبة 15% في المناسبات الخاصة مثل يوم عيد فالنتاين وعيد الأم (أي بزيادة 3مليون زهرة)، أصبح يحدد يوميا السعر العالمي للزهور والنباتات عن طريق هذا المزاد، (20 ألف نوع من الزهور والنباتات تحت سقف واحد).

عدد العاملين في المبنى يتجاوز 3.500 فرد، والمضاربات تتم في الحال، عبر شبكة كمبيوتر على أعلى مستوى، وعبر عملية دقيقة، منظمة، تريح المزارع، وتاجر الجملة، وتاجر التجزئة، والمستوردين من جميع أنحاء العالم، كل ذلك بسلاسة وإتقان كاملين.

تأتي الزهور من كل أنحاء العالم إلى هذا المبنى، (أوروبا، إكوادور، كولومبيا، إثيوبيا، كينيا)، ومع الوقت أصبح المكان أشبه بمزار سياحي.

هذا المبنى الضخم يدر أكثر من ثمانية مليارات يورو سنويا لهولندا !!!

لقد استثمرت هولندا في هذا المنتج، بأبحاث علمية على الزهور وشتلاتها، وبتدريب البشر الذين يقوموم بهذه العملية، حتى أصبحت مورد رزق لمئات الآلاف من الهولنديين.

لقد لبّى المشروع احتياجا واقعيا (الزيادة في تجارة الزهور والحاجة إلى حجم مزاد أكبر)، وسعى لجودة المنتج، والتخصص فيه، وراعى في النهاية أن يكون الحل عمليا (بالقرب من مطار Shiphol على بعد 13كم من أمستردام).

هذا نموذج لمنتج له سعر عالمي ... هل يوجد أي مشروع في مؤتمركم الاقتصادي المزعوم يقدم للعالم أي شيء تنتجه مصر؟ هل هناك أي خطة من أي نوع لإنتاج أي شيء مهما كان تافها بأيد مصرية؟ هل حاول مؤتمركم المزعوم أن يعيد إلى الحياة أي منتج من المنتجات التي أنتجتها مصر قبل حكم العسكر (كالقطن مثلا)؟

الإجابة : إنهم سماسرة أراض، ولا عمل لهم سوى مشاريع عقارية يفرح بها الأغنياء، وتعمل بها شركات المقاولات التي يملكونها، وليتهم يتيحون لغيرهم فرصة العمل، بل سيحتكرون هذه المشاريع، تماما مثلما حدث في مشروع القناة المزعوم !

الإجابة واضحة ... عشم إبليس في الجنة.

يظن البعض أن هذا المؤتمر قد خدم النظام وقوَّاه، وأقول لكم إن من علامات الانهيار أن تكبر الأوهام، تماما مثلما كنا نعتقد أننا سنلقي إسرائيل في البحر.

إن حجم الكذبة سيستدعي الإفاقة السريعة، وسترى مصر "تستيقظ" حقا لكي تلقي بهذه الأوهام في البحر.

سقوط أوهام هذا النظام أقرب مما نتوقع، وسيكون الثمن فادحا، وهذا الثمن لن ندفعه نحن المصريين وحدنا، بل سيدفعه معنا سائر من تورط في التربح من رغبة هذا النظام في الشرعية.

ليس عدلا أن يتحمل الشعب المصري هذا السفه الذي نراه وحده !
اعتذار عما ورد في المقالة السابقة : تنوعت ردود الأفعال على مقالتي السابقة "نتمنى لكم فشلا ذريعا"، وقد ورد في المقالة جملة أحب أن أعتذر وأن أتراجع عنها، وهي (سأستأذن في انصراف اختياري)، والحقيقة أنني قد قررت أن لا أنصرف، بل سأتابع الكتابة مرتين أسبوعيا كما تعود القارئ الكريم بعد أن كنت أنوي الكتابة مرة واحدة أسبوعيا، وسيكون ذلك من خلال صفحتي على الفيس بوك، وموقعي الشخصي، ومن خلال موقع عربي21 صباح كل سبت.

كان هدفي من الانصراف القراءة، والانتهاء من بعض المشاريع الشعرية، ولكن لا يمكن أن يكون لمقالاتي هذا الأثر في هدم قلاع الباطل، وإغاظة أهله، ونصرة الحق وأهله ثم أستأذن في الانصراف.
لقد سعدت بردود الأفعال التي أظهرت تأثير المقالة ومصداقية كاتبها، ووصلتني عشرات الرسائل التي تؤكد أن المصريين لا تخدعهم (بروباجاندا) سخيفة، أما السَّب والتَّطاول والسَّفه الذي طالني أنا وسماحة الوالد العلامة د.يوسف القرضاوي فليس فيه جديد، ولا يهز شعرة في رأسي، وهو نباح لا يستحق عناء الرد، يُصَدِّقُهُ مَنْ يُصَدِّقُهُ، ويرفع قدرنا عند من لا يصدقه (وهم الغالبية العظمى).

لقد تَرَاجَعْتُ ... وسأستمر في الكتابة بإذن الله، وسيجد القارئ الكريم مقالتي صباح كل أربعاء، وصباح كل سبت، ونسأل الله التوفيق والسداد.
عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

عبدالرحمن يوسف