نتمنى لكم فشلا ذريعا !

2015-03-11

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 11-3-2015 م

أغرب ما في هذه اللحظة هو ظهور بعض الكائنات التي تزعم حب الوطن، فيقول لي أحدهم : "أنت لا تحب مصر !!!"


لماذا تتهمني هذا الاتهام يا حضرة الوطني العظيم؟

فيرد عليَّ قائلا : "لو كنت تحب مصر ... لتمنيت لمؤتمر "سيسي" الاقتصادي النجاح، ولتعاونت معه لينجح، ولما تمنيت له الفشل، ولما وقفت في طريقه".

الله أكبر على الوطنية !

بعض المحسوبين على الثورة يحاولون ترويج هذه الفكرة الساقطة السخيفة، ويحاولون اليوم أن يظهروا هذا المؤتمر وكأنه عمل "وطني" لا ينبغي أن نختلف عليه، ولا يرونه برنامجا سياسيا، من حقنا أن نختلف معه وعليه، ومن حقنا أن نراه مؤتمرا يدعم حكما استبداديا عسكريا تقوده الثورة المضادة، ويرعاه أعداء الوطن، وبالتالي يصبح من واجبنا أن نقاومه، وأن نوعي الناس لمخاطره.

وأرد على هذه الفئة الضالة المضلة باختصار :

يا أيها الوطني الذكي ... افترض أن ابنك فشل في دراسته، واتجه إلى تجارة المخدرات، هل ستتمنى له النجاح في هذا المجال؟ هل ستدعو الله له بالتوفيق؟

إذا رأيت ابنتك أو اختك وقد رفضها الخطّاب في الحلال ... هل ستتمنى لها النجاح في سلك الدعارة؟ هل تتطوع بأن "تصطاد" لها الزبائن لكي تنجح في "مهنتها" الجديدة؟

إن التعاون مع "سيسي" يشبه التعاون مع ابنك الفاشل في تجارة المخدرات خشية أن يفشل ويشمت فيه وفيك الجيران، أو بحجة أن ابنك إذا لم يعمل في تجارة المخدرات سوف يموت من الجوع، وكأن الأعمال الشريفة نضبت، أو كأنك بذلك لا تتحيز لخيبة ابنك الفاشل تاجر المخدرات !

أنه كتمَنِّي نجاح ابنتك أو اختك إذا عملت في الدعارة لكي تثبت للناس أنها ليست عانسا بائرة، والتذرع بأنها مضطرة للأكل "بثدييها" وإلا سوف تصاب بإحباط بسبب انصراف الخطّاب عنها !

نحن نتمنى الفشل لمشروع الاستبداد في الحكم، ولا نتمنى خراب البلد، تماما مثلما يتمنى أي أب فاضل أن لا يرى ابنه متفوقا في تجارة المخدرات، ومثلما يفضل أي رجل حقيقي أن يرى أخته أو ابنته عانسا على أن يراها عاهرة تبيع ثدييها لمن يدفع أكثر.

نقولها بكل صراحة ووضوح، وبلا أي تورية، وبلا أي خجل : "نحن نتمنى الفشل لهذا المؤتمر الاقتصادي لأنه يضر بمصر، ولا ينفع أحدا سوى مجموعة من المرتزقة التي استولت على مصر بقوة السلاح".

نحن نتمنى الفشل لهذا المؤتمر لأننا وطنيون، ولأننا مصريون حقيقيون، ولأننا نعرف تمام المعرفة خطورة أن ينجح الاستبداد نجاحا مؤقتا زائفا، فيعيرنا بذلك الوهم لكي يستمر حكم الاستبداد إلى الأبد، ولكي يبرر لنفسه مزيدا من القتل والتنكيل باسم مزيد من النجاحات المكذوبة الكاذبة.

إما إذا أقنعوك أن قدر مصر هو تجارة المخدرات أو العمل في الدعارة ... فالمشكلة في عقلك، والثورة المصرية قادرة على أن تشبع مصر والمصريين دون أن تأكل البلد بثدييها.

لقد فشل المؤتمر قبل أن يبدأ، وبإمكانك أن تتأمل قائمة المدعوين والدول التي قررت تلبية دعوة "سيسي"، ومستوى تمثيل هذه الدول، لكي تتأكد بنفسك أننا أمام مجموعة من العناوين الصحفية الزاعقة التي سوف نتجرعها خلال الأيام القادمة، ولكن الحقيقة أننا أمام عمل دعائي لا أثر له على الأرض.

بإمكانك أيضا أن تتأمل نوع المشاريع المطروح على المستثمرين، وكيف أننا أمام مجموعة من تجار الأراضي، تبيع أرض مصر لمجموعة من المستثمرين الذين جاؤوا إما لمواءمات سياسية، أو لأسباب انتهازية.

لسنا نحن سبب فشل هذا المؤتمر، بل السبب هو أن مصر اليوم محكومة بعصابة يتحدث العالم كله عن فضائحها وتسريباتها، وكيف أنه بلد لا قانون فيه.

هذا المؤتمر لن يحقق أي مكسب يذكر لمصر، وسوف يستخدمه مجموعة من اللصوص في سدة الحكم لترويج إفكهم، ولإطالة عمرهم القصير في السلطة، ومن يحب مصر حقا ستراه بفطرته يتمنى أن لا ينجح هذا المؤتمر وغيره من مخططات العسكر في "استعمار" مصر.

ملحوظة : سيندم كل من يحب هذا الوطن وكل الثوار المخلصين إذا لم يصطفوا صفا واحدا خلال الأسابيع القادمة، وإذا لم يجهزوا أنفسهم لما بعد هذا العهد، وسوف يحاسبنا الله على تقصيرنا، وسيكتب عنا التاريخ كلاما مخجلا !

الاصطفاف الوطني اليوم فريضة وطنية، وضرورة تاريخية، وتأخيره قد يودي بنا إلى سنوات من عدم الاستقرار، ولا بد أن نتعلم من أخطاءنا السابقة، وأهمها الجهوزية بالبديل، ولا بديل إلا بالاتحاد.

خاتمة وشكر وعرفان : تشرفت بالكتابة مع موقع مصر العربية في أول يناير 2014، وكانت تجربة رائعة، أضافت لي الكثير، ونتج عنها تواصل رائع مع جمهور شديد التميز.

لقد قدم هذا الموقع صحفيين، وكتاب مقالات، وموهوبين، إلى الجمهور المصري والعربي خلال فترة زمنية قصيرة أثبت فيها احترامه واحترافه.

لقد ضحى هذا الموقع، ودفع ثمن البحث عن الحقيقة، فقدم شهداء ومصابين ومعتقلين، وسوف يأتي قصاص هؤلاء الجنود المجهولين قريبا بإذن الله.

اليوم ... أشكر هذا الموقع المحترم، ومجلس إدارته، وسائر العاملين فيه، على هذه التجربة الإعلامية الصحفية النزيهة المتفوقة في هذه الأيام الصعبة، وأدعو لهم بكل التوفيق.

سأستأذن في انصراف اختياري، وفي سائر الأحوال سيكون موقع مصر العربية موقعي المفضل.

دعائي لكم بكل الخير والتوفيق.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...