الرهان على الحمار الخاسر !

2015-03-07

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 7-3-2015 م

في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك كان غالبية أصدقائي ومعارفي يعتبرون أنني أسبح ضد التيار، وأنني أضيع عمري في قضية خاسرة، فاستمرار حسني مبارك في السلطة أمر من المُسلَّمات، وخلافة السيد جمال مبارك لوالده ستحدث عاجلاً أم آجلاً، وكل من يحلم بتغيير هذا الواقع واهم، حالم، وهذه الألفاظ المهذبة لما يريدون قوله، إنهم أصدقائي وأعزائي، ولا يمكن أن يقولوا لي في وجهي أنني مغفل!!!

دَخَلْتُ خلال تلك السنوات التي سبقت ثورة يناير العظيمة مئات النقاشات المفتوحة، وكانت نتيجة غالبيتها العظمى واحدة، لا أمل في هذا الشعب، وإرادة الحاكم ستكون، لا معقب لكلماته.

بعد أن خَلَعَت ثورة يناير مبارك، قال لي أصدقائي لو أنك راهنت بمائة جنيه فقط مع كل شخص تناقشت معه في موضوع جمال مبارك، لكنت الآن من كبار الأثرياء ... وضحكنا !

أنا الآن أحاول أن أتعلم من أخطائي، لذلك قررت أن أراهن كل أصدقائي الذين يزعمون أن "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع سيقضي وقتاً في السلطة، ولكي أكون واقعياً قررت أن أراهن بعشرة جنيهات فقط !

المشكلة.. أن جميع معارفي من أنصار "سيسي" يرفضون أن يراهنوا عليه، حتى ولو بعشرة جنيهات!!!

أصدقائي كانوا يقولون لي أيام مبارك (نحن نراهن على الحصان الرابح)، وكنت أقول لهم (لا مانع عندي من وصفه بالرابح، ولكن مشكلتي أنكم تصفونه بالحصان ... قولوا الحقيقة أنتم لا تراهنون على حصان .. بل على شيء آخر).

وما زال كثير من الناس يراهنون على حمار، ولكي يجملوا رهانهم يصفونه بالحصان الرابح، والحقيقة أن كل من يراهن على الباطل فهو حمار يراهن على حمار، والخبر السيئ، أنهم يراهنون على حمار خاسر.

الحصان الرابح الوحيد في هذه الأحوال هو حصان الحق ... حصان الثورة.

أقال "سيسي" وزير داخليته "محمد إبراهيم"، ويحاول البعض أن يجعل من هذا الخبر التافه موضوعاً يشغل الناس، مثل زوجة المحافظ (إياه)، والكلب المذبوح، و(عنتيل) الغربية رقم خمسمائة !

وعلى الثوار أن يتنبهوا جيداً لهذه الألعاب، فما هي إلا قنابل دخان، وما هي إلا مسكنات للرأي العام، يكسب الباطل بها وقتاً ... ليس أكثر.

هل تذكر الفنان محمد صبحي (سامحه الله) في مسرحية تخاريف وهو يؤدي دور الحاكم المستبد؟
حين قال له رئيس وزرائه (أنا رأيي نرقي الناس اللي ساعدت الانقلاب ... قصدي الناس اللي ساعدت في القفزة اللي جات بسيادتكم للحكم)، فقال له الديكتاتور (لا .. مش عشان ساعدوني أوصل للحكم أجاملهم ... دول أول ناس نعتقلهم ونخزوقهم)

ثم سأل الدكتاتور وزير داخليته المدعو "هوبّا" : (مش عندك خوازيق كفاية يا "هوبّا"؟ ما تنساش تحوش لنفسك واحد في الآخر) !

هذا هو المشهد الذي رأيناه مع التيار المدني المزعوم الذي ساعد الانقلاب، ثم ألقاهم العساكر في أقرب سلة مهملات كمناديل الكلينكس.

وهذا ما نراه اليوم ... المزيد من مناديل الكلينيكس تلقى في سلة مهملات التاريخ، المزيد من الخوازيق بالإضافة إلى خازوق السيد (هوبّا)، ولا شك أننا سوف نرى المزيد، ولا شك أن كل دائرة من الدوائر التي شاركت في الانقلاب تتآمر على الدائرة الأخرى لكي تحمي نفسها، ولا شك أن سائر هذه الدوائر تتآمر على قائد الانقلاب، لأن نجاتهم الوحيدة – إن كان لهم نجاة أصلاً – أن يتحمل هو تبعات جرائم المرحلة.

إن التعامل مع إقالة فلان وتعيين علان وكأن ما يحدث شيء مهم، يعتبر فخاً سخيفاً لا يجوز أن يقع فيه الثوار، وكل ما يحدث هو محاولات يائسة لإطالة عمر الوضع الحالي المخنوق بظروف اقتصادية، وبتغيرات دولية، وتحولات إقليمية، جميعها ضد استمرار هذا النظام الأرعن.

التصرف السليم في هذه اللحظة هو التخطيط لاصطفاف القوى الثورية مرة أخرى، من أجل النزول المكثف للشارع، بهدف إسقاط النظام، وإقامة دولة يناير التي تتحيز للناس ومعايشهم.

ولن يتحقق ذلك إلا بطرح رؤية واضحة للخطوط الرئيسية للمرحلة الانتقالية الجديدة التي ستبدأ فور إسقاط الانقلاب وعودة الجيش لثكناته. والتي أتصور أنه من الممكن تقسيمها إلى ثلاث محطات ضرورية للم الشمل المجتمعي والسياسي، ولوضع أسس تدريجية لديمقراطية قوية مستدامة. 

أولى هذه المحطات هي محطة التوافقية، يليها محطة الديمقراطية التشاركية، يليهما أخيراً محطة الديمقراطية التنافسية. 

تحقيق القصاص مطلب لا تنازل عنه ... (قصاص لا انتقام).

ومطلب العدالة لا تفاوض فيه ... (عدالة في إطار دولة القانون لا همجية الثأر).

نحن أمام نظام منهار، ميت إكلينيكيا، يحتاج إلى دفعة أخيرة ليقع في مزبلة التاريخ.

هل يتحد الثوار لتخليص مصر من هذا العهد الأسود؟

هل نرى شباب مصر من سائر التيارات يدعون الناس إلى النزول مرة أخرى من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية؟

هل نتحد أمام عدونا الذي لم يرحم منا أحداً؟

الإجابة ستتضح خلال أسابيع قليلة، وسيتضح معها الحصان الرابح، والحمار الخاسر !

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

رابط المقال على موقع عربي 21