مؤتمر (مصر قريبة) الاقتصادي !

2015-03-04

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 4-3-2015 م

منذ أسابيع وأنا أرغب في الكتابة عن مؤتمر مصر الاقتصادي، ولكن الأحداث تتوالى، وحين شاهدت أوبريت (مصر قريبة) الذي "ارتكبه" إعلام الانقلاب رأيت أنه قد كفاني كثيرا من الشرح والتوضيح.

إذا أردت أن تفهم الأسلوب والمنهج والغاية من ما يسمى (مؤتمر مصر الاقتصادي) فما عليك إلا أن تشاهد أوبريت أو كليب (مصر قريبة).

مؤتمر مصر الاقتصادي يقدم للعالم مشاريع مثل الوردة التي تقدمها "غادة عادل" للشاب الخليجي في "الكليب"، إنها وردة من بائعة مناديل ... ما العلاقة بين البائعة؟ والورد؟ والمناديل؟

بائعة ... ولنا فيها مآرب آخرى !

إنه مؤتمر يقدم لك بضاعة تالفة ... أتلفها الهوى !

مؤتمر مصر الاقتصادي قائم على الفكرة نفسها التي يروجها الكليب، إنه الأوبريت الذي قدم "الكنج" في مظهر "المشهلاتي"، وقدم كبار "النجوم" في مشاهد رخيصة، شماشرجية، أو ربما أسوأ من ذلك.

نجمات السينيما تنطق عيونهن بما نستحي أن تقوله الأفواه، (وطن ... يعني حضن)، وحضن يعني دفء، ودفء يعني نار، نار يا حبيبي نار، وكما قال اسمه ايه (خالد الصاوي) في فيلم (كباريه) : "وباحيي السعودية ... والأمم العربية !

وباحيي الإمارات ... عشان مليانة دولارات"!!!

دولارات متلتلة ... زي الرز ... والله الموفق !

كلمات الأوبريت تقول "ألف ضحكة بتناديك ... قريبة وفرحانة بيك"، ولكننا نعلم أنها ضحكات مزيفة، رئيس دولة الأمر الواقع يقابلكم بضحكة مزيفة، ويعتذر عن إساءات الإعلام، وفي مجالسه الخاصة تُسَبُّ أعراض الأمهات، ولكنه يعتذر ... "وكُلُّه بالحِنِّيَّه يُفُك".

المؤتمر الاقتصادي يقام من أجل تأجير مصر بعقود طويلة الأجل، إنه عقد زواج "عرفي"، على بنت قاصر، يتيمة الأبوين، تحت إشراف وصي سفيه، لا هم له إلا المال الذي يدخل جيبه، على رجل بلغ من العمر أرذله، سيء الخلق والطباع، سيأكلها لحما ... ويرميها عظما.

مؤتمر (مصر قريبة) الاقتصادي ... شعارنا (المتعة) ... وطريقنا (المسيار) !

لذلك ترى فيه مشاريع من نوعية عربات الترمس، أو عربات الخضار، وهي مشاريع لا يقوم عليها اقتصاد حقيقي، وسوف تحقق هذه المشاريع نهضة حضارية لمصر في اليوم الذي تشفي فيه أصابع الكفتة مرضى فيروس "سي" ومرضى "الإيدز".

الحمد لله ... "كان عندك عقل وراح" !

كليب (مصر قريبة) يوضح لك حقيقة المشاريع التي يطمح لها النظام الحاكم، إنها مشاريع (قعدة الأنس) للكفيل الخليجي، تماما مثل "شريف منير" و"هنيدي" في الكليب، وستتحول البلد بما فيها إلى "عشرة طاولة"، وعلى هذا الأساس تباع الأراضي (كما جاء في التسريبات)، وتلغى الغرامات المستحقة للدولة عن أسيادنا الخليجيين، وإذا نطق أحد ... فهو عميل لإسرائيل، أو يريد بيع الهرم لقطر ... (مَرْس خَشَب) !

هل رأيت في كليب (مصر قريبة) أي خليجي في هيئة طالب علم مثلا؟ هل ظهرت لقطة لمصنع؟ أو معلماً من معالم مصر السياحية؟ هل رأيت عاملا بسيطا؟ أو فلاحا كادحا؟ هل رأيت أي سبب لزيارة مصر أو الاستثمار فيها في هذا العمل سوى (قعدة الأنس)؟

مشروعات المؤتمر تتعامل مع مصر على أنها بلد "للفرفشة"، "ساعة حظ"، وهي لا تعوض، لأنها ساعة حظ بالرخيص !!!

التسريبات الأخيرة التي تظهر فيها مصر كبلد بلا دولة، وبلا سيادة، وبلا أجهزة أمن، توضح حقيقة المؤتمر الاقتصادي، إنه مؤتمر القشة للغريق.

رئيس الدولة (أو وزير الدفاع ... مش فارقة) يقبل أن تدخل طائرات إلى مطاراتنا وهو لا يعرف حمولتها، ويقبل أن تدفع دولة تمويلا لحركة سياسية تعمل في الشارع، وعلى أساس هذه الحركة الشعبية المزعومة يتم هدم النظام السياسي بالحديد والنار، ويتم خلع رئيس، وبعد ذلك تبدأ رحلة من القتل والاغتصاب والاعتقال ومصادرة الأموال وإسقاط الجنسية بحق عشرات الآلاف من المواطنين الشرفاء، ثم يتهمونهم بالتخابر والخيانة، والتسريبات الموثقة تؤكد أن القابعين في السلطة أولى بتلك الأوصاف !

مشروعات المؤتمر ليست أكثر من واجهات لعمولات، والمستثمر الذي يقبل أن يعمل في بلد يحكمه مثل هؤلاء الحثالة سيدير استثماراته بطريقة (فرشة جرايد)، حين تأتي (البلدية) يلم (الفرشة)، ويجري بأقصى سرعته هاربا، لكي لا يكون الموت مع خراب الديار.

المستثمر الذي يقبل بالعمل في أجواء دولة (تحارب الإرهاب)، وتصنف أي كيان على أساس أنه (كيان إرهابي) بدون حتى إعطاء فرصة لحضور محام للدفاع، بل إنها دولة تجعل سماع الشهود أمرا اختياريا ... هذا المستثمر الذي يقبل العمل في هذا المناخ لن يكون رجل أعمال يستطيع أن يضيف لمصر شيئا، بل سيأخذ فقط، وسيأخذ بالرخيص، بعشر الثمن، بأقل من عشر الثمن، ألا يكفي أنه قد قبل المخاطرة بالقدوم إلى بلد لا قانون فيه ولا كرامة لأحد !

وإذا ادلهمت الظروف الاقتصادية على دماغ (اللي خلفونا) سنطلب (حباية)، من الحبايب !

حاول أن تنظر إلى أبطال كليب (مصر قريبة)، وكيف صوروا المشاهد في أماكن لا تستطيع أن تدخلها في الظروف العادية دون أن يحاصرك التسول أو التحرش أو السرقة، ولا بد أن طاقم التصوير قد فعل الأفاعيل لكي يتمكن من تصوير هذه الدقائق، وحينها ستعرف عقلية من ينظم المؤتمر الاقتصادي، إنها عقلية القاعات المغلقة المكيفة، عقلية المانشيتات المثيرة في الصفحات الأولى في الصحف الحكومية، عقلية الإدارة بالكلاشينكوف، عقلية (حد ليه شوق في حاجة؟)، عقلية (أنا عايز اللقطة)، المؤتمر ليس أكثر من لقطة.

هذا المؤتمر فاشل، وجميعنا نعلم ذلك، وفرص نجاحه تساوي فرص حصول عبعاطي على جائزة نوبل في الفيزياء.

هذا المؤتمر ليس ملزما لأي مواطن مصري، وكل ما يبرمه من يحكم مصر بالحديد والنار اليوم ... لن نلتزم به غدا، وعلى كل عاقل أن يعلم جيدا أننا في نهاية عهد أسود، وأننا سنمسح عار هذا العهد بمسح التزاماته المجحفة من فوق كاهل المصريين.

من يريد أن يتعاقد على ما يظنه استثمارات طويلة الأجل مع مجموعة زائلة ... سيفعل ذلك على مسؤوليته الشخصية، ومكاسبه لن تدوم، وخسائره ستكون كبيرة، وسنطارده بالقانون إلى آخر أقطار الدنيا لكي نسترد منه حقوق هذا الشعب الفقير الصابر.