متى يسقط "سيسي"؟

2015-02-21

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 21-2-2015 م

غالبية المهتمين بالشأن العام في مصر يشغلون أنفسهم بسؤال كيف يسقط "سيسي"؟
والحقيقة أن مركبه غارق لا محالة، وبالتالي أرى نفسي مشغولاً بالإجابة عن سؤالين، الأول : متى يسقط "سيسي"؟ وهذا ما أحاول الإجابة عنه اليوم.

والثاني : ماذا بعد "سيسي"؟ وسأجيب عن ذلك قريباً بإذن الله.

فلنتذكر أولاً قصة السيد عبدالفتاح "سيسي"، وكيف أصبح رئيس جمهورية الأمر الواقع في مصر.
سأبدأ بمشهد تلاوته لبيان الانقلاب في الثالث من يوليو 2013، إنها الكلمة الوحيدة التي ألقاها على الناس ولم يسخر منها أحد، ولم يستخرج منها معارضوه نكتة، لقد كتب الكلمة شخص متمكن – لا بارك الله فيه –، ويبدو أن "سيسي" قد حفظ الكلمة حفظاً، واهتم بمخارج الحروف، وبشكله ولغة جسده وبتفاصيل كثيرة.

في هذه اللحظة كان يقف ومن حوله عشرات الملايين من المصريين !

غالبية عظمى كانت معه، وكثرة سكوته، وقلة ظهوره ساعدته في استمرار هذا الدعم.

حين بدأت الدماء تسيل ... تَغَيَّرَ الأمر، وبدأ رصيده من المؤيدين يتسرب رويداً رويداً كلما تكرر ظهوره، ولكن لا بأس ... لقد بنى الرجل انقلابه على ثلاث دعائم، الأولى : تأييد مطلق من أجهزة الدولة العميقة وعلى رأسها الجيش.

الثاني: دعم سياسي من قوى دولية وإقليمية اتفقت مصالحها مع مصالحه، مما وفَّرَ له شكلاً من أشكال الاعتراف الدولي، ودعماً مالياً واقتصادياً سخياً غير محدود من القوى الإقليمية، ضمن له عدم التعثر الاقتصادي.

الثالث : تأييد جارف من سائر طبقات الشعب – بفضل الإعلام الموتور – جلب له شعبية كبيرة (باستثناء المؤيدين للتيار الإسلامي، وآخرين لم تنطل عليهم ألاعيب الإعلام).
ولكن ما الذي حدث؟

كما قلت ... تناقص التأييد أولاً بسبب الدماء.

ثم تناقص مرة أخرى بسبب مرض أصابه يسمى "مرض الكاميرا" !

لقد فتنته الكاميرا، وأحب الظهور في الإعلام، وأصابه ولع بتصفيق الجماهير، وهو – شئنا أم أبينا – غير مؤهل للظهور الإعلامي، فإمكاناته كخطيب أو متحدث أقل من متواضعة، ويبدو أن أحداً لم يجرؤ على مصارحته بهذه المشكلة (والحمد لله)، وبالتالي لم يعمل على علاجها.

وبالتالي ... كثرت أخطاؤه، وبدأت السخرية منه من شعب يحترف السخرية، وبرغم ذلك لم ينصحه أحد 
بضرورة التقليل من الظهور، فتطور الأمر حتى أصبحت السخرية منه "فاكهة" المجالس.

بعد ذلك قَلَّت شعبيته حين اتضح كذبه، وذلك بطريقتين، الأولى : حين بدأت تسريباته بالظهور، واكتشف الناس أنه رجل ذو وجهين، والثانية : حين أصبح واضحاً أنه يحلم آناء الليل وأطراف النهار بكرسي الرئاسة، بعكس ما وعد به من عدم الترشح، ومن عدم التَكَسُّب من الانقلاب !

لذلك ... لا تصدق أي أرقام قيلت عن استفتاء الدستور، وعن انتخابات الرئاسة، لأن الحقيقة أن عدد الذين ذهبوا كان محدوداً جداً، وبإمكانك أن تشاهد بكاء المذيعين على الشاشات بسبب تلك الصفعة التي وجهها الشعب لـ"سيسي"، وانقلابه، ونظامه، وإعلامه.

خلال هذه الفترة ارتُكِبَتْ في مصر – تحت رعاية "سيسي" وبتوجيهاته – انتهاكات لا يمكن أن يتخيلها عقل، ولا يمكن أن يفهمها إنسان يعيش في القرن الواحد والعشرين، إنها انتهاكات على طريقة "هولاكو" و"جنكيزخان"، إنها انتهاكات من شخص يرى نفسه وريثاً لــ"هتلر" و"موسوليني" و"فرانكو".

لقد مضى السيد "سيسي" في تنفيذ الخطة التي وضعت قبل الانقلاب، ولكن كان هناك عنصر أساسي فارق، لولاه لمضت الخطة ونجحت، هذا العنصر هو صمود حراك الشارع، وفشل سائر خطط إخضاع هذه الجماهير العظيمة. 

لقد أطلق "سيسي" الرصاص الحي، واعتقل عشرات الآلاف، وحول المعتقلات إلى كابوس أسوأ من معسكرات النازي في عهد "هتلر"، فقبض على الرجال، والشباب، والشيوخ، والأطفال، والنساء، وارتكب في حقهم ما يشيب لهوله الولدان.

لقد منع أي رأي مخالف، وأحال الطلبة إلى محاكمات عسكرية، وطرد الناس من أعمالهم، وأغلق الجمعيات الخيرية، ولفق التهم، وصادر الأموال، وأصدر أحكام الإعدام، حتى أصبحت مصر "سلخانة" بالمعنى الحرفي للكلمة، وأصبح القتل في مصر أهون من شراء تذكرة مباراة !

وخلال تلك الفترة.. سحب من داعميه العرب عشرات المليارات من الدولارات، ولا أحد يدري أين ذهبت هذه الأموال، فمصر دولة مأزومة اقتصادياً، ولا يمكن أن يكون قد دخل خزينتها العامة كل هذه الثروات دون أن يشعر أحد !

يوماً بعد يوم.. ظهرت تحيزاته جلية، فمبارك برئ بحكم المحكمة، وأبناؤه وحلفاؤه طلقاء، يستعدون للانقضاض على الحياة السياسية مرة أخرى، بينما كل من عارض مبارك أو اشترك في الثورة (إسلامياً كان أو غير إسلامي) إما في السجن، وإما في الطريق إلى السجن.

لقد خسر قاعدته الشعبية تماماً، فلا هو أنقذ الفقراء، ولا هو حافظ على كرامة المصريين من اعتداءات أجهزة الأمن، بل العكس قد حدث، فقد أصدر "سيسي" عشرات القرارات التي طحنت المواطن طحناً، فرفع سعر كل شيء، ولم يرفع مرتبات أحد سوى الجيش والشرطة، وفي الوقت نفسه عادت أجهزة الأمن وكأنها ضبع ينتقم من ذلك الشعب الذي أدبها في يناير 2011.

ضاع التأييد الشعبي، ولم يبق مع "سيسي" سوى بعض أبواق الإعلام، وبعض المغيبين الذين لا يسمن تأييدهم ولا يغني من جوع.

اتضح ذلك في جمعة الفضيحة، جمعة التفويض الثاني (السادس من فبراير 2015)، تلك الجمعة التي صفع الشعب فيها رئيسه، وعلمه أنه لا يعبأ به أو بحروبه المزعومة ضد الإرهاب.

وبعد رحيل الملك عبدالله ملك السعودية، بدا ظاهراً أن الحاضنة الإقليمية التي يعتمد عليها تهتز، وبعد أن كان قد نجح في لجم قناة الجزيرة قليلاً، عادت الأمور أسوأ مما كانت، وظهر تراجع دول الخليج عن دعمه جلياً، يوماً بعد يوم.

ماذا يفعل "سيسي" بعد أن فقد حلفه الإقليمي؟

حاول أن يبدأ حلفاً مع روسيا، وقرر أن يستغل أموال الخليج في شراء سلاح روسي، ولكن المملكة السعودية، ودولة الإمارات، لا يمكن أن تمولا صفقة شراء أسلحة روسية، فأُجبر على شراء صفقة السلاح الفرنسية الشهيرة، وفشل في خلق حلف مع روسيا، وهناك سبب آخر لفشل التحالف مع روسيا، هو أن الرئيس الروسي لم يأخذ هذا الحلف مأخذ الجد، وكان في أزمة كبيرة بسبب موضوع (أوكرانيا)، وفي النهاية خضعت روسيا لرغبات أمريكا وأوروبا، وصعرت خدها لـ"سيسي".

لذلك حاول أن يصنع لنفسه حلفاً دولياً بطريقة أخرى، كيف ذلك؟ لقد قصف ليبيا، بعد الفيديو الشهير الذي أظهر عملية قتل لمجموعة من المصريين رحمهم الله وصبّر ذويهم.

ولكن ذلك – بمنطق السياسة – عمل أرعن، و"سيسي" لا يفهم في العلاقات الدولية، ولا يدرك حدوده، فانقلب العالم كله عليه، من روما وباريس، إلى الرياض والكويت، مروراً بالجزائر وتونس، وصولاً إلى لندن وواشنطن !

كان يظن أنه بذلك سيخلق حلفاً دولياً يدعمه ويموله، ويعترف به رئيساً لمصر لا قائداً لانقلاب، وأنه سيصبح شرطي المنطقة، وأن ليبيا ستصبح قربانه الذي يذبحه للغرب لكي يستمر على كرسيه، ولكن هيهات !!!

فالعالم كله يدرك أن ليبيا برميل بارود لو انفجر فسوف يحرق المنطقة، وقد تمتد نيرانه إلى أرجاء المعمورة.

لقد فقد "سيسي" سائر دعائم الانقلاب !!!

فقد أولاً جزءاً كبيراً جداً من مؤسسات الدولة العميقة (ولا تفسير لموضوع التسريبات إلا ذلك) !
كما أنه لا تفسير للإجراءات الأمنية الرهيبة التي تحيط به، والتعتيم الكامل على تحركاته .. إلا أنه رئيس لا يثق في مؤسسات الدولة، فضلاً عن أنه رئيس يخاف من شعبه ومن أقرب الناس إليه.

وفقد ثانياً سائر داعميه الإقليميين الذين أغرقوه في أنهار العسل الدولاري، وذلك بعد وفاة الملك عبدالله، وبالتالي فأغلب الظن أنه لن يتمكن من إقامة مؤتمره الاقتصادي المزعوم، أو على الأقل لن يحالفه النجاح المأمول إن أقامه، لأنه كان (مؤتمر الملك عبدالله) !!!

كما فقد ثالثاً الدعم الدولي حين فشل في الدخول في أي حلف جديد، بحيث يضمن لنفسه دوراً في المنطقة بأي شكل من الأشكال.

لقد أصبح "سيسي" عبئاً على الجميع، على الشعب، وعلى الدول العربية الداعمة للانقلاب، وعلى المجتمع الدولي، الذي يرى فيه امتداداً لدكتاتوريات الستينيات التي ولى زمنها.

لكل هذه الأسباب (ولغيرها) ... لا بد أن نسأل (متى يسقط "سيسي"؟) !

الإجابة واضحة ... قريباً جداً بإذن الله.

ملحوظة : كل من يقلل من دور الشارع في إسقاط الانقلاب جاحد، ولولا الشارع الثائر الذي استمر في حركته الاحتجاية لما يقرب من عامين، لما وصلنا لما نحن فيه اليوم، ولترسخت أقدام الانقلاب، ولضربت جذوره في الأرض كشجرة خبيثة تروى بالنفط وبمليارات الدولارات لكي يجني الناس منها ثمار الذل والعبودية.

ملحوظة ثانية : كل من يظن أننا أمام نظام قوي سيستمر ليس أكثر من واهم، وكل من يظن أن كاتب هذه السطور واهم ... واهم ... والأيام بيننا !

ملحوظة ثالثة : الثورة مستمرة بشبابها ... وسيقودها شبابها، وسيحكم هؤلاء الشباب دولتهم القادمة ... دولة يناير !

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

 

للتعليق على المقال بموقع عربي 21