كيف تهلك الجيوش؟

2015-02-18

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 18-2-2015 م

في ستينات القرن الماضي خاض الجيش المصري مجموعة من المغامرات غير المحسوبة انتهت بتدميره، ودفعت الأمة المصرية (كلها) ثمن إعادة بناء هذا الجيش، وثمن تحرير الأرض التي احتلت بسبب رعونة القيادات السياسية والعسكرية في ذلك الوقت.

اليوم ... يقولون لك أيها المصري (الجيش خط أحمر)، وهو من حافظ على الدولة المصرية من مصير العراق وسوريا وليبيا واليمن، وأنه (عامود الخيمة)، وأن الوقوف معه فريضة وطنية لا شك فيها، ولكنهم يتغافلون عن سنن الله في الكون، ويتجاهلون قصة الدول التي انهارت، وحكاية الجيوش التي هلكت.

يطالبونك بتأييد الخطأ، والتصفيق للخطيئة، والسكوت على إعادة مصائب الماضي وكأنها لم تحدث، فترى من خاض حرب اليمن يريد أن يكرر المأساة نفسها، ويطالبنا بالصمت، بل بالتطبيل والتصفيق.

سأعرض لك اليوم مثالا لما حدث لأحد تلك الجيوش، إنه جيش صدام حسين، أو الجيش العراقي، (لم يكن الجيش العراقي في عهد صدام سوى جيشا لصدام).

قبل أن أتحدث عن جيش صدام لا بد أن أحكي لك عزيزي القارئ قصة هذا الرجل في عجالة.

ولد صدام حسين عبدالمجيد التكريتي في قرية العوجة 175 كلم شمال بغداد لعائلة سنية متواضعة، وكان ذلك في 28 إبريل 1937.

انضم لحزب البعث العربي الاشتراكي، في عام 1957، أي أنه كان شابا في العشرين.

في عام 1959 اشترك في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وهو أول رئيس وزراء بعد الإطاحة بالنظام الملكي في عام 1958، وحُكِمَ على صدام حسين بالإعدام غيابيا وفر إلى مصر.

عاد إلى العراق، وحدثت أحداث كثيرة جدا، كانت نهايتها انقلاب عسكري شارك فيه صدام حسين إلى جوار اللواء أحمد حسن البكر الذي أصبح رئيسا للجمهورية، وأصبح صدام نائبا له من عام 1975 وحتى 1979.

في 16 يوليو 1979 قام صدام حسين بانقلاب عسكري آخر ضد أحمد حسن البكر، وقيل حينها إنه استقال لأسباب صحية، وأصبح صدام كل شيء في العراق، إنه رئيس الدولة، ورئيس الوزراء، وهو الأمين العام القُطْري لحزب البعث، ورئيس مجلس قيادة الثورة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، (طبعا قام صدام بتسمية انقلابه ثورة مجيدة).


ثم بدأ بقتل أعداء الثورة، رفاقه قيادات حزب البعث، وكانت حملة عمياء، بدأ بالبعثيين، ثم استمر في القتل حتى طال سيفه رقاب الجميع، كل من يشتبه في أنه معارض لصدام مصيره القتل، بل تعمد قتل الأبرياء بالشبهة لكي يرتعب الجميع، (فعل ذلك باستخدام الجيش الوطني الذي يحترمه العراقيون).

وبدأ الرجل ببناء صنمه الذاتي، فمنح نفسه أعلى رتبة في الجيش، رتبة المهيب (تعادل المشير عندنا)، وكان ذلك بسبب عقدة شخصية، فقد عجز عن الالتحاق بأكاديمية بغداد العسكرية بسبب نقص مؤهلاته العلمية.

في عام 1980 اعتدى صدام حسين على إيران، فاندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمان سنوات وأسفرت عن مقتل مئات الآلاف من العراقيين والإيرانيين، (واستخدم في ذلك الجيش الوطني العراقي طبعا).

بعد انتهاء الحرب مع إيران بشكل مخزٍ (كان النزاع على شط العرب، ثم تنازل عنه صدام للإيرانيين)، بدأ صدام حملة الأنفال، فقصف قرى الأكراد العراقيين بالأسلحة الكيماوية، في عام 1988، (واستخدم في هذه المجازر الجيش العراقي الوطني أيضا).

في الثاني من أغسطس 1990 فاجأ صدام العالم وغزا الكويت غزوا عسكريا، واحتلها، (باستخدام الجيش الوطني كذلك).

نتيجة لذلك تشكلت قوات تحالف بقرار من مجلس الأمن بقيادة الولايات المتحدة، وبدأت حرب في يناير 1991، وأخرج الجيش العراقي من الكويت، ولكن قصفت قوات التحالف العراق كلها، ودُكَّت البنية الأساسية لهذا البلد الغني، حتى عاد قرنا كاملا للوراء، وتم تدمير الجيش العراقي، وكانت هذه هي نهاية المغامرات العسكرية التي ورط فيها صدام جيش العراق.

بعدها تم حصار العراق اقتصاديا وسياسيا حتى عام 2003.

في عام 1995 جددت الجماهير البيعة للرئيس صدام حسين، لسبع سنوات أخر (بنسبة 99.99)، وفي عام 2002 تم تجديد البيعة مرة أخرى بنفس الطريقة تقريبا (هذه المرة فاز بنسبة 100%، وبنسبة مشاركة 100% من الناخبين) !

استمر الحصار حتى عام 2003، وفي إبريل من هذا العام احتلت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية العراق، وسقط نظام صدام حسين وحزب البعث، واعتقل صدام حسين مختبئا في حفرة في مسقط رأسه تكريت، في ديسمبر 2003، وتمت محاكمته بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وقصف حلبجة (الكردية) بالكيماوي والغازات السامة، واجتياح الكويت، وإبادة انتفاضة الشيعة في 1991، وقتل الشيعة في الدجيل، وغيرها من التهم.

في ديسمبر2005 نفذ حكم الإعدام في صدام حسين بشكل مهين (تم الإعدام صبيحة أول أيام عيد الأضحى مما أعطى إيحاء ما بأنه أضحية يضحى بها في يوم عيد)، وتم تصوير المشهد، وكان صدام فيه صامدا، شجاعا، جهر بالشهادتين، ورفض أن يغطى وجهه.

هذه قصة صدام حسين باختصار شديد.

كيف نصنع الطغاة؟

بأن ننسى كتاب التاريخ، ونمارس الممارسات نفسها، دون اتعاظ بالماضي القريب أو البعيد.

من الذي صنع صدام حسين؟

إنها مليارات دول الخليج، ودعمها السياسي بلا تحفظ، مع سكوت بقية الدول العربية حينا، وتأييدها حينا آخر، بالإضافة إلى استفادة وتوظيف القوى الإمبريالية لغرور الطاغية من أجل مصالحها الإقليمية.

كيف تهلك الجيوش؟

بإقحامها في السياسة، واستخدامها في الشأن السياسي الداخلي، وبتوريطها في حروب خارجية لا ناقة لها فيها ولا بعير، وبدون أي ضرورة لحفظ الأمن القومي الوطني.

دول الخليج العربي دعمت صدام حسين في حربه على العراق بمليارات الدولارات، لقد ساندوا هذا الطاغية الذي يقتل شعبه، بسبب خوف مزعوم من مد شيعي، أو خطر تصدير الثورة الإيرانية.

يقدر بعض الخبراء تمويل دول الخليج للعراق في حربه مع إيران بأكثر من 50 مليار دولار، والحقيقة أن المبلغ أضعاف ذلك، مع ملاحظة أننا نتحدث بلغة الثمانينات، أي أن هذه المبالغ مضروبة في عشرة أو عشرين أو أكثر بلغة عصرنا.

ظنت دول الخليج أنها تحمي نفسها، وأنها تستثمر هذه المليارات في أمنها وسلامتها، ولم يدرك قادة هذه الدول أنهم يربون وحشا كاسرا سوف يذيقهم الويل، وأنهم يجنون على أنفسهم بأنفسهم.

لقد فعلوا كل شيء لدعم صدام، ثم ماذا كانت النتيجة؟

أذاقهم هذا الجنرال المزعوم الويل، وأثخن فيهم، ودخل جيشه الكويت واحتلها، فقتلوا، واغتصبوا، وسرقوا، وأذلوا، ولم يرحموا صغيرا ولا كبيرا.

وبعد أن فعل فيهم كل ذلك لم يتعظوا، بل استمروا في دعمه خوفا من الشيعة !

في عام 1991 بعد أن خسر صدام جُلَّ جيشه في الكويت، قام أهل بغداد بانتفاضة وثاروا، وكان حظر الطيران مفروضا على دولة العراق في ذلك الوقت.

حينها ذهب أحد المسؤولين العراقيين لإحدى العواصم الخليجية الكبرى، وجلس مع قيادتها، ووضع رجلا فوق رجل وقال "هل تريدون أن تقوم دولة شيعية في جنوب العراق؟ إذا كنتم لا تريدون ذلك فاعلموا أننا يجب أن ندك هذه الانتفاضة بطائرات الهليوكوبتر، ويجب أن تسمح قوات التحالف لطائراتنا بالتحليق"

فشفعت دول الخليج لعدوها اللدود عند أمريكا، لكي تطير هيلوكوبترات صدام من أجل هذا الهدف النبيل، ألا وهو ... قمع الانتفاضة العراقية (يسمونها انتفاضة الشيعة، وأنا أسميها الانتفاضة العراقية).


لقد كان العراق قويا أمام الاحتلال الانجليزي في ثورة العشرين، ووقف الجميع عربا وأكرادا، سنة وشيعة، أمام كل ما ومن يهدد الوطن، ولكن حين ذاق العراق تجارب الانقلابات العسكرية المتوالية بدعم مليارات الجيران ها هو العراق، مفتت، خاضع لكل الأجندات، لا دولة فيه، ولا رحمة لديه من قريب أو بعيد، ولا جيش لديه.

لقد جعل صدام من ذاته صنما يعبد من دون الله، واخترع مراسم وطقوس لخلق هيبته، وتمددت هيبة صدام تلك بالمال والإعلام للوطن العربي كله.

كان الشعراء يتوافدون إلى مهرجان "المربد" الشعري كل عام، فيمدحونه بما ليس فيه، ليهبهم ما ليس من حقه، يعطيهم من ثروة العراق، وهم يقبلون الأيادي التي ترمي لهم بالدولارات الملطخة بدم العراقيين المظلومين.

في نهاية حكمه أصبحت أرقام الضحايا مفزعة، ولا أحد يستطيع أن يعرف على وجه الدقة كم إنسانا قتل بسببه؟ ولا كم عراقيا قتل من أجل ملكه؟

خلاصة الأرقام ضحاياه تقترب من مليوني إنسان، وغالبية ضحاياه كانت بسلاح جيش من المفترض أنه لخدمة الوطن لا لهلاكه !

ضحايا عنف النظام : حوالي 800 ألف إنسان.

ضحايا الحرب العراقية الإيرانية : بعد بحث واستقصاء ومقارنات بين المراجع، نصف مليون على الأقل، (من الطرفين).

ضحايا الحصار الاقتصادي : أرقام اليونيسيف تتحدث عن نصف مليون طفل !

ضحايا الأكراد : مائة ألف إنسان على الأقل، والبعض يصل بالرقم إلى ربع مليون.

ضحايا انتفاضة 1991 : أرقام متفاوتة، بعض التقديرات تصل بها إلى ربع مليون، وتقديرات أخرى تتحدث عن مائة ألف.

ألف قتيل كويتي في غزو الكويت.

ممارسات القمع كانت لا نهاية لها، كان من ضمنها قطع الألسنة، وهذا مصور بالفيديو، طابور من المواطنين تقطع ألسنتهم أمام الكاميرا واحدا واحدا لأنهم تطاولوا على الذات الصدامية، وهذا موجود على اليوتيوب.

خلاصة تجربة صدام حسين لكل من يعقل :

كل من يدعم انقلابا عسكريا اليوم سيحترق بناره غدا، ينطبق ذلك على الدول والجماعات والأفراد، وكل من يظن أنه في مأمن من جنون عظمة مثل هذا النوع من الرجال واهم، وتمويل الانقلابات العسكرية اليوم أصبح استثمارا خاسرا (إذا افترضنا انه كان استثمارا رابحا يوما ما)، لأن الشعوب تغيرت، ولأن هناك جيلا جديدا لن يقبل إلا بحرية كاملة.

كل من يظن أنه يحمي جيشه الوطني بتأييده في مغامرات غير محسوبة عليه أن يراجع عقله، ووطنيته، وحبه لبلده ... فمن الحب ما قتل !

لقد رفع صدام (أيا كانت نيته وأهدافه) شعارات وطنية قومية إسلامية عظيمة، ولكن في النهاية هلك الجيش العراقي، وتحطمت العراق كلها، وتفتت الوحدة الوطنية العراقية بين شيعة وسنة وعرب وكرد !

اليوم ... نرى في مصر أصواتا غير مسؤولة تسعر نار الحرب، وهي حرب مبهمة، مجهولة، لا يعرف أحد بدايتها ولا نهايتها، ويتم تصدير الأزمة الداخلية للانقلاب العسكري بقيادة عبدالفتاح سيسي إلى الخارج.

هي حرب للثأر لقتلانا رحمهم الله؟

ولكن رد الفعل غير المحسوب قد يؤدي إلى أضعاف أضعاف هذا العدد من القتلى المصريين، في بلد لا يكاد يخلو بيت فيه من السلاح، وفي بلد يعيش فيه مئات الآلاف من المصريين منذ عقود، والتصرف بهذا الشكل دون حساب لعواقب الأمور لا يمكن اعتباره تصرفا حكيما، خاصة أن أحدا لم يهتم بتحرير الرهائن الذين قتلوا، ولم يهتم أحد بأي عملية تحذير للمصريين هناك بضرورة مغادرة الأراضي الليبية، أو على الأقل أخذ أي احتياطات.

الشعب الليبي لم يكن إلا شعبا طيبا، يستقبل المصريين بكل احترام، وقد فتحت ملايين البيوت المصرية بعمل من يعولها في ليبيا، ولا يمكن أن نغلق هذه النافذة على الناس، ولا يمكن أيضا أن نوجه قصفا عشوائيا على أهلنا الليبيين لمجرد رغبة الانتقام، أو للخلاص من أزمة سياسية داخلية، هؤلاء إخوتنا ويحسب لهم أنهم وحتى بعد أن قصفتهم طائراتنا ما زالوا يحافظون على المصريين وممتلكاتهم.

أتساءل عن قدرتنا على التعلم من التاريخ !!!

لو عاد بنا الزمن هل سنخوض حرب اليمن؟

لو عاد بنا الزمن هل سنهزم في نكسة 1967؟

هل معارضة حرب اليمن عمل وطني أم كره لمصر؟

هل معارضة أسباب النكسة عمل وطني أم مزايدة فارغة؟

اتقوا الله في مصر، وفي ليبيا، وفي سائر الدول العربية.

اتقوا الله في جيش مصر، وفي شعب مصر، وفي شباب مصر !

اتعظوا من الدول التي انهارت مؤسساتها، ومن الجيوش التي هلكت بسبب رعونة قادتها، ولا تكرروا حماقات الستينات التي بدأت بإعلان إسقاط طائرات العدو، ثم انتهت بتدمير طائراتنا وهي جاثمة على مدرجات المطارات العسكرية، واعلموا أن الحرب عمل أهم من أن يترك للعسكريين وحدهم كما قال الحكماء.

سيضربون ضربات عشوائية في ليبيا ثم سيأتينا الرد في سيناء، أو في القاهرة !

سيضربون من أجل 21 مسكينا ذبحوا وبعدها قد نرى آلاف المذبوحين أو المدفونين في صحراء لا أول لها ولا آخر !

أما من يصور الأمر على أنه عمل عسكري مدروس محسوب، فهذا رده عندي بإذن الله، ولكن في الأسبوع القادم.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

 

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية