لا للحل العنصري في سيناء

2015-02-03

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 3-2-2015 م

يحلو للبعض أن يقول "إن الاعتماد على الحلول الأمنية في سيناء سوف يعقد المشكلة" !

 

والحقيقة أن من يرددون مثل هذه الجمل لا يدركون أن الواقع قد تغير، وأن الصورة قد أصبحت أكثر سوادا، فالحلول الأمنية كانت اختيار النظام في عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولكن بعد أن جاءنا السيد عبدالفتاح سيسي، فإن ما يجري الآن أصبح تمييزا عنصريا بامتياز، وبيننا وبين مرحلة "التطهير العرقي" عدة أمتار لا أكثر.
 

التمييز العنصري هو معاملة الناس بشكل غير متساوٍ بناءً على انتمائهم إلى مجموعة عرقية، أو قومية معينة.
 

وهو ما ينطبق على سيناء بشكل جليٍّ، فسيناء مكان واضح جدا من الناحية الجغرافية، يسكنها شعب له خصائص واضحة كعنصر، له لغته ولهجته، له طعامه وملابسه، له ثقافته ومعارفه، له فولكلور وعادات وتقاليد، أهل سيناء (بدوهم وحضرهم) لهم تمايز واضح عن بقية مواطني جمهورية مصر العربية، وما تفعله الدولة المصرية الآن أنها تستهدف هذه الأقلية أو المجموعة السكانية بإجراءات ليست أمنية، بل هي إجراءات استئصالية، حربية، عسكرية، تندرج تحت مسمى (التمييز أو الفصل العنصري) طبقا لتعريف القانون الدولي، والغريب أنها تعتبر كذلك وفقا لدستور العسكر المستفتى عليه في يناير 2014.
 

ومن أشكال التمييز العنصري أيضاً خلق جو "تهديدي" أو "عدائي" أو "مهين" أو "مذلّ" للناس بناءً على ما سبق من الأسباب، بالإضافة إلى إعطاء توجيهات أو الأمر مباشرة بممارسة التمييز.
 

وكل هذه الأشياء ممارسات تقوم بها الدولة المصرية بشكل يومي ضد أهل سيناء منذ عشرات السنين.
 

ما يحدث اليوم مختلف تماما عما حدث بالأمس، فمنذ عدة سنوات كان القصف في جبل الحلال، أما اليوم فالقصف داخل المدن، يفجر البيوت، ينسف الأحياء، مدينة رفح التي يبلغ عمرها آلاف السنين ... أزيل نصفها المصري من الوجود !
 

بالأمس كانت الشرطة تواجه الناس، أما اليوم فالجيش هو من يواجه الناس، والدولة قررت أن تعاقب الجميع بلا رحمة، وهو ما يفسر عملية اختطاف الضابط (أيمن الدسوقي) رحمه الله، فقد اختطفوه في وضح النهار، وفي عملية مسجلة بالصوت والصورة، أي أنهم يعملون باطمئنان كامل، وهو ما يعطي انطباعا بوجود رضى شعبي تجاه هذه الفئة (أنصار بيت المقدس)، أي أن الناس تعتبرهم حركة مقاومة، ويقفون معهم، وكيف لا يكونون معهم بعد أن فجرت الدولة منازلهم وشردتهم !
 

بالأمس كانت سيناء تحت احتلال إسرائيلي كامل، وحاولت إسرائيل في تلك الفترة أن تفصل سيناء عن مصر، وعرضت على أهل سيناء دولة مستقلة، يعترف بها العالم كله في عدة دقائق بمجرد إعلانها، ولكن أهل سيناء الأبطال رفضوا ذلك، ولا يوجد اختبار ولاء في الدنيا أقوى من ذلك !!!
 

الغريب أننا نجد اليوم من يزايد على وطنية أهل سيناء، مرتزقة أجهزة التخابر، والمخبرون الإعلاميون الذين يعرف القاصي والداني كيف توجههم مكالمات الجنرالات، يزايدون على من رفضوا دولة مستقلة باعتراف عالمي !
 

إن ما يسمى بتنظيم أنصار بيت المقدس قد أصبح حركة انفصالية، وهم لا ينكرون ذلك، ويعرفون أنفسهم جغرافيا بأنهم "ولاية سيناء"، ويقصدون أنهم جزء من دولة أخرى غير الدولة المصرية، دولة الخلافة التي أعلنت في العراق، وهذه الحركة الانفصالية في نزاع مسلح مع الدولة المصرية، ولها حاضنة شعبية بسبب حماقة من يحكم مصر.
 

ما يجري ضد أهلنا في سيناء يشبه في إجراءات كثيرة ما جرى ضد السود في جنوب إفريقيا، فقد صدر بعد عام 1948 قانون مناطق المجموعات، فأصبح الفصل العنصري في كل شبر في جنوب أفريقيا، وأزيلت أحياء بالكامل (أزيلت بطريقة حضارية، ولم يفجروا البيوت كما حدث في رفح)، مثل "صوفيا تاون" في جوهانسبرغ، و"المنطقة السادسة" في الكاب، وتم إبعاد السود إلى مساكن من صفيح، في مناطق نائية، وصودرت أملاكهم لصالح الدولة، وأعطيت في النهاية لمواطنين بيض.
 

مدن الصفيح لم تكن إلا حلًا موقتًا، فقد أصبح على المواطنين السود أن يحملوا دائمًا "تصريح مرور" حين يمرون بشوارع البيض، وأصبح المواطن الأسود لا يستطيع أن يتحرك داخل بلده، وهو أمر يشبه الممارسات التي تتم ضد إخواننا أهل سيناء أثناء خروجهم ودخولهم إلى سيناء، أو حتى أثناء تنقلهم من شمال إلى جنوب سيناء.

إن الممارسات التي تمارسها الدولة المصرية في مسألة حقوق أهل سيناء في التوظيف في الوظائف الحكومية، وفي الحصول على الخدمات، وفي حقهم في تملك بيوتهم (يسكنون في بيوتهم منذ مئات السنين ولا تقبل الحكومة إعطاءهم ما يثبت تملكهم لمنازلهم)، وفي دخول مؤسسات الدولة القيادية، وفي حرية الحركة والتنقل ... كل ذلك يجعل من الدولة المصرية دولة تمارس تمييزا عنصريا واضحا فجا ضد فئة غالية وطنية عظيمة من أبناء مصر، فئة أعطت أكثر مما أخذت، وأعطت أكثر مما أعطى غيرها من المتطاولين.
 

وهي تدفع تلك الفئة دفعا إلى الانحراف، والتجارة في الممنوعات، وتمنع عنهم سبل الرزق الحلال، ثم تعير بعد ذلك من لجأ للحرام بلجوئه للحرام، وتعاقبهم جماعيا على خروجهم على القانون !

مشكلة سيناء كانت خلافا بين أبناء الوطن الواحد، وأصر نظام الحكم على التعامل معها بحلول أمنية غبية، ومع مرور الوقت وتغير الظروف أصبحنا نرى نظاما يوظف هذا الخلاف لكسب النقاط في معركة السياسة الداخلية، مخاطرا بانفصال سيناء عن مصر.
 

لقد تحول ملف سيناء بفضل حكم العسكر إلى حركة انفصالية لا ترضى بمظلة الدولة المصرية، ولا بد من التحذير من أن المشكلة ستكبر وتزداد وتخرج عن نطاق السيطرة ما دام في سدة الحكم سفهاء !

في النهاية ... ولكي يدرك المواطن المصري معنى الحكم العسكري، أنقل لكم مواد الدستور المصري التي تجرم كل ما ترتكبه الدولة في سيناء.
 

إنني أدعو القارئ لأن يتمعن في مواد الدستور المصري التي سأعرضها في نهاية هذا المقال والتي تجرم بوضوح كل ما ترتكبه الدولة في سيناء، وأرجوه أن يقارن بينها وبين ما يحدث في سيناء من ترويع، وتفرقة عنصرية، وحض على الكراهية، وحرمان من التجنيد والوظائف العامة، واضطهاد منظم، وإجراءات استثنائية، وقتل خارج حدود القانون، وانتهاك كامل للحقوق باسم محاربة الإرهاب، ليعرف لماذا أصبحنا نتعامل مع حركة انفصالية، ولكي يتخيل كيف يمكن أن نحل هذه المشكلة.
 

إنني أنقل ذلك لكي يحاول المواطن المصري أن يسأل نفسه أسئلة بسيطة (لماذا رفض أهل سيناء دولة مستقلة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؟ ولماذا قرروا أن يقفوا مع الجيش المصري ضد احتلال إسرائيل؟ لماذا تحملوا في سبيل ذلك دفع ثمن مواجهة الجيش الإسرائيلي بكل جبروته؟
 

ثم لماذا يقرر اليوم بعض أهل سيناء أن يعلن مبايعته لدولة أخرى؟ ولماذا تتوفر حاضنة شعبية لهذه الميول الانفصالية عن الوطن الأم؟)

إياكم أن تحاسبوا أهل سيناء ... قبل أن تحاسبوا الدولة الغبية المستبدة التي تسببت في ذلك !!!
 

إذا سألتني عن الحل، فإني أقول لك إنه يبدأ بتغيير نظام الحكم، وباعتذار رسمي من الدولة المصرية الجديدة، وهذا الاعتذار يشمل إجراءات عملية، أولها بناء رفح في مكانها مرة أخرى، وإعادة الكرامة لأهل سيناء، والقصاص لهم من كل من اعتدى على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، ثم بعد ذلك بالتنمية التي تضمن لهم حقوقهم في هذا الوطن.
 

لقد قال الزعيم الوطني الإفريقي "نيلسون مانديلا" كلمة هامة في خطاب ألقاه في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، في 4 ديسمبر 1997 في بريتوريا :
 

"إننا نعتقد جيدا أن حريتنا لا تكتمل إلا بحرية الفلسطينيين" !
 

ولا بد لكل مصري أن يعتقد أن كرامته وحريته وأمنه لا تكتمل إلا بكرامة وحرية وأمن سيناء وأهلها.
 

آن لهذا الحكم الجاهل الجهول أن يرحل، لأن ضريبة بقاءه أصبحت أغلى من أن يتحملها الوطن.
 

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

مواد الدستور المصري التي تُنْتَهَك عيانًا بيانًا في سيناء:
 

مادة 59:

الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها.

مادة 9:

تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز.

مادة 14:

الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة، وتكليف للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حقوقهم وحمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم فى رعاية مصالح الشعب، ولا يجوز فصلهم بغير الطريق التأديبى، إلا فى الأحوال التي يحددها القانون.

مادة 63:

يحظر التهجير القسرى التعسفى للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لاتسقط بالتقادم.


مادة 53:

المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.
 

مادة 237:

تلتزم الدولة بمواجهة الارهاب، بكافة صوره وأشكاله، وتعقب مصادر تمويله، وفق برنامج زمني محدد، باعتباره تهديدًا للوطن وللمواطنين، مع ضمان الحقوق والحريات العامة. وينظم القانون أحكام وإجراءات مكافحة الإرهاب والتعويض العادل عن الأضرار الناجمة عنه وبسببه.

 

مادة 94:

سيادة القانون أساس الحكم في الدولة. وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات.
 

مادة 99:

كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم،وللمضرور إقامة الدعوى الجنائية بالطريق المباشر. وتكفل الدولة تعويضًا عادلاً لمن وقع عليه الاعتداء، وللمجلس القومى لحقوق الإنسان إبلاغ النيابة العامة عن أى انتهاك لهذه الحقوق، وله أن يتدخل في الدعوي المدنية منضمًا إلي المضرور بناء على طلبه، وذلك كله على الوجه المبين بالقانون.

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية