من ثورة يناير إلى دولة يناير

2015-01-28

 

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 28-1-2015 م  

في هذه الأيام التي نمر بها نستعيد ذكرياتنا في ميدان التحرير، نتذكر أجمل أيام هذا الجيل، وكيف صمد الثوار في الميادين، وكيف كان المثبطون يعملون عملهم، وكأنهم إزميل يخبط في الصخر، ولكن الله أمد المعتصمين بثبات أكبر من صمود الجبال، فانكسر الإزميل، وبقيت الثورة مستمرة إلى اليوم.

قال لنا المثبطون : (ماذا تريدون؟ وكيف يرحل مبارك؟ وما البديل؟)

كنا نجيب إجابات عامة، فالله سبحانه خلق مصر قبل هذا المخلوع بآلاف السنين، وستبقى مصر بعده إلى ما شاء الله، ومجرد طرح السؤال بهذه الطريقة فيه إهانة لشعب عظيم.

واليوم يقول لنا المثبطون كلاما شبيها بما قيل لنا في يناير 2011 (ماذا تريدون؟ وكيف يرحل السيسي؟ وما البديل؟)

واليوم نجيب بإجابات صقلتها التجارب، وثبتتها الدماء، ورسختها زلازل الأحداث، ومحصتها نجاحات تحققت، وإخفاقات درسناها.

إجابتنا اليوم تقول بكل وضوح (سنحكم مصر – نحن الثوار –، وسنقيم دولة يناير، ولن نقبل بأن نسلم الأمر إلى جنرال منقلب، أو مجلس عسكري مخادن، أو قاض كخيال المآتة، أو مدني كعروس المارونيت في يد أجهزة التخابر).

يقول لنا المثبطون : (وما هي معالم دولتكم الزعومة؟)

وبرغم أن غالبية السائلين هدفهم من السؤال المراوغة، إلا أننا سنجيب لأن من حق الجماهير أن تعلم أن الثورة هذه المرة ليست مجرد ثورة حق، بل هي ثورة حق عن بصيرة.

ثورة تعلمت الآن كيف تبني، كما تعلمت بالأمس كيف تهدم، ثورة تعلمت كيف تدار الدول، كما تعلمت كيف تهتف في الميادين.

المثبطون – لضيق أفقهم – يظنون أن حكم العسكر قدر لا رادَّ له، والحقيقة أن عهد الانقلابات العسكرية قد أصبح جزء من الماضي.

تراهم يتحدثون عن البديل وكأن حكام اليوم رجال دولة أصلا، وما هم إلا مجموعة من الفشلة، يديرون أجهزة الدولة وسلطاتها بهاتف مدير مكتب (المحروس)، ولا يكادون يستطيعون تأمين هذه المكاتب من خطر الاختراق والتجسس.

ثورة يناير تقدم للمصريين دولة حقيقية، وسوف تقدم لهم رجال دولة يستحقون ثقتهم بإذن الله.

هذه الكلمات لا أعتبرها كلماتي، وليست هذه الأفكار أفكاري الخاصة، بل هي كلمات غالبية كبيرة من شرفاء وعقلاء مصر، وأفكار الغالبية العظمى من المصريين.

معالم دولة يناير لكل ثوار مصر، ولكل المثبطين، واضحة :

1  دولة مدنية : حكامها مدنيون، والجيش فيها منصرف لوظيفته الأساسية (التسليح وحماية الأمن القومى) لا يشتغل بالسياسة أو الاقتصاد ولا ينحاز لأى فئة أو تيار.

2  دولة ديموقراطية : تحترم فيها نتائج الإرادة الشعبية، ومبدأ التداول السلمي للسلطة، والآليات الديموقراطية المتعارف عليها، وتُجرم فيها الانقلابات العسكرية، أو التغيير بالعنف، أو التلويح بالقوة.

3  دولة العدلة الاجتماعية : تهتم بتحسين معاش الناس وأحوالهم، وبالأخص الطبقات الفقيرة والمهمشة.

تعمل على تذويب الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وتعتمد على مبدأ الكفاءة والجدارة والاستحقاق، وليس المحسوبية والوساطة التى تفتح أبواب الفساد واسعا فى تولى الوظائف العامة.

4  دولة الحريات التأسيسية : تحترم حرية الاعتقاد، وحرية الرأي والتعبير، وحرية التنقل، وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات، وحرية العمل السياسي، وغيرها من الحريات التأسيسية والأساسية للإنسان.

5  دولة الكرامة الإنسانية : تحترم كرامة الإنسان، وتحفظ آدميته، وتحفظ حقوقه التأسيسية، كالحق في الحياة، والحق في السكن، والحق في العمل، والتعليم، والصحة، وغيرها بما يحفظ ضروراته وكيانه.

6  دولة الاستقلال الوطني : ضد التبعية للخارج أيا كان شكلها، سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، تحدد خياراتها وتتخذ قرارتها من الداخل، تتعامل بنِدِّيَّةٍ في ميدان السياسة الخارجية، وتتخذ من المصلحة العليا للوطن معيارا حاكما لكل تصرفاتها الخارجية والداخلية، وتسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي فى معظم المجالات، وعلى رأسها الدواء والغذاء والسلاح، لضمان استقلال الإرادة والخيار والقرار.

7  دولة القانون : يطبق فيها الدستور والقانون على الجميع بلا استثناء، وتتحق فيها عدالة ناجزة، يقتص فيها من كل القتلة والمجرمين والمفسدين، مهما كانت مراتبهم أو أماكنهم القيادية.

8  دولة المؤسسات : تنهي حكم الفرد وتستبدله بحكم المؤسسات المتكاملة التى تعمل بشكل تلقائي، تتكامل فيه تلك المؤسسات، وتتوازن السلطات، دون الحاجة إلى الزعيم الملهم، أو القائد البطل، أو الحاكم الفرد.


9  دولة العدل والمساواة والمواطنة : يتساوى فيها المواطنون جميعا فى الحقوق والواجبات، دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الطبقة أو اللون أو النوع.

10  دولة ذات هوية : تحترم الهوية العربية الإسلامية للمجتمع المصري، وتنطلق منها فى تطبيقات السياسية الخارجية، فتولي اهتماما أكبر بالدوائر العربية والإسلامية، نحو استعادة الدور التاريخي لمصر مجددا.

11  دولة التعددية : تحترم التنوع الديني والثقافي والفكري والمذهبي في المجتمع المصري، وتعمل على ترسيخ ثقافة التعايش بين المختلفين، على قاعدة العدل والمساواة.

12  دولة الشفافية والمساءلة والمحاسبة : تنهي عصر الفساد والاستبداد وتركيز المعرفة فى يد السلطة، وتمكن المواطنين من الإلمام بكل ما يجري في وطنهم من خلال اعتماد مبدأ الشفافية وإتاحة المعلومات للجميع، من أجل تمكين المواطنين من المشاركة الإيجابية في قضايا وهموم الوطن والمواطن، وتحقيق الرقابة الواجبة ضمن تفعيل أدوات المحاسبة والمساءلة.

13  دولة المشاركة فى المجتمع والسياسة والتنمية : لا تُقصى طرفا، أو تستبعد أحدا، أو تهمش أي طاقة أو فاعلية، توزع بعدل عوائد التنمية، تبني مجتمعا مدنيا قويا قادرا على التأثير فى مواجهة التحديات المجتمعية.

14  دولة تستند إلى الحفاظ على الجماعة الوطنية : تحافظ على لحمتها وتماسكها، وتؤكد على كل مايؤمن عليها سلامها المجتمعي، وتجنيبها أي فكر أو ممارسة يمكن أن تودي بها إلى مساحات الكراهية داخل الوطن، أو تدفعه إلى ساحات الاقتتال الأهلي.

15  دولة تمكين الشباب : التي تحقق آمال هذا الوطن، وهي في ذات الوقت شرارة الثورة والتغيير، وهي كذلك طاقة العمل الفاعلة، آن الأوان أن يتصدر الشباب ليس فقط المشهد الثوري، بل ومشهد بناء الدولة والمجتمع، والمؤسسات الفاعلة فيهما، لأن الشباب أكثر من نصف الحاضر وكل المستقبل.

دولة يناير تُؤسس على انطلاقة ثورة يناير : أهدافا ومكتسبات، ثورة يناير بشعارها الأساس "عيش كريم، حرية أساسية، كرامة إنسانية، عدالة إجتماعية"، وهي في هذا الإطار تجعل من هذه المبادىء التوافقية المذكورة سابقا حزمة تستند إليها دولة الثورة، التى تستحق جهد كل أحد لإقامة كيانها، وتحقيق كامل أهدافها، بما تستحقه دولة كمصر لتحقق كرامة المواطن ومكانة الوطن.

وهذه المبادئ تشكل أرضية صالحة للتوافق والاصطفاف حولها : وتتم على أساس المشاركة الكاملة والحقيقية لكل القوى المناهضة للانقلاب على اختلاف توجهاتها الفكرية والسياسية.

هذه الصياغة ليست تصور فرد، بل هي محل توافق كبير بين الثوار، وصياغتها في شكل دولة المستقبل مقصود، وذلك لمواجهة الحملات المضادة التي تخوف الناس من إسقاط الانقلاب، وتصوره إسقاطا للدولة، والحقيقة أن إسقاط هذا الانقلاب هو الإنقاذ الحقيقي للدولة المصرية.

يا ثوار مصر : اتحدوا !

وإذا لم نتحد ... فستظل هذه الدماء عرضة للضياع، وسيظل عدونا يبحث عن حليف يفرق به الصف، ويعيد الكرة مرة أخرى لثورة مضادة تريق الدماء، وتنتهك الأعراض، وتسرق الأموال، وتبيع استقلال الوطن من أجل حفنة مليارات !

أما حديثي للمثبطين، فأقول لهم : (لن تنفعكم انتخابات تخططون لخوضها، ولن ينفعكم عرائض ذليلة تقدمونها لقائد الانقلاب لكي يقيل وزيرا أو غفيرا ... التحقوا بقطار الثورة ... ذلكم أشرف لكم مما أنتم فيه اليوم ... تعالوا معنا لننقل مصر من دولة الكفتة .. إلى دولة الكفاءة !)

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية