عكس اتجاه التاريخ

2014-12-27

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 27-12-2014 م

السير عكس اتجاه التاريخ أمر ليس يسيراً، يحتاج إلى تركيبة تجمع بين الغرور، والغباء، والعناد.
لذلك تجد كثيراً من الزعماء المستبدين خاصة العرب، يسيرون في أغلب فترات حكمهم عكس اتجاه التاريخ، وهذا أمر لعمري عسير عسير.

يحاول النظام السوفيتي أن يقاوم شيخوخة الدولة، ولكن غروره يدخله إلى المستنقع الأفغاني، وغباؤه يمنعه من الانسحاب، وعناده يورطه إلى أن تعلن هزيمته النكراء، وبعد ذلك يفاجأ بحالة خزينة الدولة، وبوضع الجيش المنهار، وبأطراف الدولة المتمردة، فيحاول جورباتشوف (عبثاً) أن يداوي سرطان الدولة بحبوب منع الحمل، وفي لحظة تنهار الامبراطورية، دون توقع من أحد، ودون مقاومة من أحد، بعد أن سارت لسنوات طوال بقوة الدفع الذاتي، ثم يتصرف جميع رجال دولة الاتحاد السوفيتي، وكأنهم في مأتم لقريب يكرهونه، وغاية مرادهم دفنه، لكي ينصرفوا إلى حالهم بعد أن تخلصوا منه.

حكومة الاتحاد السوفيتي كانت تدير نصف الكرة الأرضية، وكانت ترعب النصف الآخر، وانهيار هذا الاتحاد كان يمكن أن يستغرق عشرين عاماً، ولكنه استغرق عشرين دقيقة !

صاحب الطموح الوحيد الموجود في روسيا كان "يلتسن"، فأخذ روسيا القديمة، وعاد بها دولة إلى حدودها التاريخية تقريباً.

وعادت غالبية الدول التي احتلها الاتحاد السوفيتي إلى ما كانت عليه قبل الاحتلال، وتحركت طموحات شعوب، وأجندات دول، ورسمت الخريطة الجديدة.

كانت خطط الاتحاد السوفيتي في مناطق نفوذه قائمة، وكانت خطط توسعه ما زالت موجودة، وكانت أجهزة التخابر التي تديرها هذه الدولة العملاقة تعمل في العالم كله، ولكن انهار كل ذلك في لحظة!

اليوم، يحاول بعض المتفذلكين أن يقنعوك بأن تستسلم لأن الولايات المتحدة الأمريكية قد قررت 
-حسب رأيهم- أن تقضي على ثورات الربيع العربي، وأن تحكمها مرة أخرى عن طريق أذنابها من العسكر.

يحاولون إقناعك بأن تستسلم لأن التقارير المخابراتية الغربية والعربية تؤكد أن خريطة جديدة للشرق الأوسط قد رسمت، وهذه الخريطة لا مكان فيها لثورة أو ثوار، ولا موقع قدم فيها إلا لمن ترضى عنهم أمريكا وإسرائيل.

وكأن شباب العرب قد تحرك في الموجة الأولى من ثوراته بأوامر أمريكية !

فلترتب أمريكا ما تشاء، ولتخطط كما تشاء، ستظل الموازين على الأرض في صالح ثورات الربيع العربي.
يحاول البعض أن يربط بين المصالحة المصرية القطرية، وما تلا ذلك من إغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر، وتغيير الجزيرة الإخبارية لنهجها، وبين فرص نجاح هذه الثورات، وخصوصاً الثورة المصرية.

وكأن ثورات الربيع العربي صنعتها قناة، أو مولتها دولة، أو أنجحتها مؤامرة، أو خططتها أجهزة أمن.
قد تكون هناك صفقة دولية تجري في القصور، وقد تكون هناك قوى إقليمية تحاول أن تخمد هذه الثورات لكي يستقر حكمها العضود، ولكن الحقيقة المرة أن جميع هذه الدول قد وصلت إلى مرحلة شيخوخة لا علاج لها، وهي في وضع أسوأ ألف مرة من وضع الاتحاد السوفيتي في أواخر أيامه (مع الفارق الرهيب)، وهي تسير عكس اتجاه التاريخ، وتنسج أكفانها بمنتهى الكفاءة.

لله سبحانه سنن في هذا الكون، وقد شاء أن يسير كل شيء وفق هذه السنن والقوانين، لكي تنضبط الحياة، لذلك لا يمكن أن تستمر هذه الدول إلى الأبد، ولا يمكن أن تهزم إرادة شباب في المراحل الإعدادية والثانوية والجامعة؛ شباب يرون الموت حياة، ويرون الشهادة خلوداً، ويرون الذل جحيماً، ويرون رؤساءهم أصناماً تعبد في الأرض من دون الله، ويرون أنفسهم غرباء في أوطانهم، ولم يبق لهم من حل إلا إصلاح هذه الأوطان.

نحن لا نراهن على جيل يناير فقط، بل نراهن على امتدادات هذه الجيل، فهناك أجيال لم تر يوم الخامس والعشرين من يناير، هؤلاء يمثلون جزء كبيراً من مشهد الثوار في الشوارع اليوم، إنهم هؤلاء الأطفال الذين شاهدوا الثورة في التلفاز، وشاهدوا الثوار من شرفات منازلهم، وحبسهم آباؤهم في المنازل لكي لا يشاركوا في معركة الجمل، ولكنهم نزلوا إلى الميدان بعد خلع مبارك، ورأوا ولمسوا الحرية عياناً بياناً، فأصابتهم (نداهة) الثورة، فأصبحوا يبذلون أرواحهم رخيصة في سبيلها.

هذا الجيل الذي دفع آلاف الشهداء والمصابين والمعتقلين والمطاردين وما زال مستمراً.. لا يبالي، ولا يعبأ بأي صفقة عقدها أغوات العرب مع أسيادهم الأمريكان !

إن قدرة الأمريكان على تغيير الواقع على الأرض اليوم في أضعف حالاتها، وهم بعد أثمان غالية دفعوها في أفغانستان والعراق، لا يملكون سوى قدرات نظرية، وقدرات وكلائهم في القصور، وقدرة الأنظمة العربية على استشراف أي رؤية ترضي شعوبها ولو مرحلياً أو جزئياً معدومة، وقدرة اقتصاديات هذه الدول على تمويل أحلام الملك المزعومة محبطة لهم، لا لنا.

وفي الوقت نفسه، قدرة شعوبنا على الصبر انتهت، ورغبة شبابنا في التحرر لا مثيل لها، ودافعهم بعد كل هذه الدماء لا يمكن الاستهانة به، وحواجز الرعب القديمة لم تعد قائمة عند هذا الجيل الذي ألف مشاهد الدم.

لقد قررت أمريكا ما قررت في أفغانستان، وفشلت، وفي العراق، وفشلت، وفي إيران، وفشلت، وفي غالبية دول أمريكا الجنوبية، وفشلت فشلاً تاريخياً ذريعاً.

وعليه، لا تخوفونا بخطط دولية وإقليمية مزعومة بين العملاء الذين يحكموننا وبين أسيادهم، لأننا خلعنا من قبلَهم، وأفشلنا خططاً أقوى بنياناً، وأعمق جذوراً، وأكثر تماسكاً، من هذه الخطط الجديدة المرسومة كدخان الحشيش في الهواء !

ليس لي إلا طلب أو رجاء أو التماس واحد : تذكروا جيداً أن رغبة الدنيا كلها ضدنا، وأن أمريكا ضدنا ... لكي لا يقول أحمق حين ننتصر إن ذلك كان برغبة أمريكية، كما قيل ذلك في الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي !

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ..

للتعليق على المقال بموقع عربي 21