وطنية العسكر

2014-12-13

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 13-12-2014 م

يقول النظام الانقلابي الحاكم بقوة الدبابات في مصر اليوم إنه نظام وطني، بل يبالغ ويدعي أن لا وطني سواه، ولا وطنية سوى ما يرضاه، ولا وطني إلا من ارتضاه !

هكذا تسبح الصحف والمجلات والراديوهات والتلفزيونات بحمد هذا النظام الذي لا يعرف من الوطنية إلا القشور والشكليات.

ولكن المتابع لصحف وإعلام العدو (أعني العدو الإسرائيلي)، يكتشف أن نظامنا الحاكم حائط صد لصالح أعدائنا، وصمام أمان لحمايتهم، إنه حارس شخصي لأركان دولة إسرائيل.

فقد كشف التقرير الاستراتيجي الأخير للاستخبارات الإسرائيلية، عن أن انشغال الجيش المصري بالشأن الداخلي عزز وضع إسرائيل الجيواستراتيجي، وقد نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" ذلك.

يقول المحلل الاستراتيجي الإسرائيلي "عمير رايبورت" : "إن محافل التقرير الاستراتيجي في تل أبيب، ترى أن العوائد الاستراتيجية التي ستجنيها إسرائيل من وجود السيسي في الحكم، ستسمح لها بالتفرغ لمواجهة تحديات استراتيجية كثيرة".

ونقل "رايبورت" عن هذه المحافل الاستخبارية الاستراتيجية (التي قامت بإعداد التقرير الاستراتيجي الذي نتحدث عنه) قولها، " إن الحرب التي لا هوادة فيها التي يشنها السيسي على الجماعات الجهادية في سيناء، وحرصه على تقليم أظافر حركة حماس يصب في صالح إسرائيل".

"وأن إسرائيل خططت لاستثمار مليارات الدولارات في تعزيزات أمنية لحماية الجبهة الجنوبية (مع مصر)، بعد ثورة 25 يناير وخلع الرئيس الأسبق حسني مبارك، تحسباً لحدوث تدهور أمني خطير على الحدود، ثم وفرت هذه المبالغ بسبب قيام السيسي بحماية هذه الجبهة من ناحية مصر" !

أما أخطر ما نقله السيد "عمير رايبوبورت" فهو أن أهم عائد استراتيجي تنتظره إسرائيل من حكم السيسي، هو حقيقة تأكدها أنه لن يدفع نحو تطوير الجيش المصري؛ حيث إن إسرائيل ستكون مطمئنة إلى ثبات ميزان القوى الاستراتيجي الكاسح لصالحها".

هذه وجهة نظر إسرائيل في جيشنا ونظامنا، فهل سيتحرك السيد المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة ليعلق على هذا الكلام الخطير؟ أتمنى !

ما أود أن أقوله هو أن فضيحة التسريبات التي عاشتها مصر تنذر بشرر مستطير، وتحويل القضية للقضاء العسكري لا يمكن أبداً أن ينسينا حق الأمة المصرية في معرفة حقيقة ما يحدث داخل المؤسسة العسكرية، من تقصير أدى إلى خروج مثل هذه التسريبات إلى العلن.

إن وطنية العسكر تعني أن من حقهم أن يطلقوا الرصاص على المواطنين (باسم الحفاظ على الأمن القومي)، وتعني أن المواطن ليس من حقه أن يسأل مثل هذه الأسئلة التي أسألها الآن، مع العلم أن كل تقصير في القيادة العليا تكون عواقبه على آحاد الناس، ولنا في نكسة عام 1967 ألف ألف عبرة.
هل نحن في انتظار نكسة جديدة؟

إذا كان الضامن الوحيد لعدم حدوث النكسة هو أننا أصبحنا نعمل لحساب إسرائيل (كما يزعم التقرير) فهذا هذر، لأن النكسة ستأتينا من مكان آخر، ومن مأمنه يؤتى الحذر، فما بالك بمن هو ليس بحذر أصلاً !

إن ما ينتظرنا نكسة أسوأ مما حدث في الخامس من يونيو، ستكون نكسة من الداخل، ولا يعلم عواقب ذلك إلا الله.

إن نكسة مع العدو الخارجي توحد الناس، وتفتح باباً للصلح، والمراجعة، أما نكسات الداخل فتكون باباً للتناحر، والفتن، وتكون باباً للانهيار السريع، والتفتت المجتمعي الذي لا يلتئم إلا بعد عشرات السنين.
في النهاية أقول لأهل الحكم ولأنصارهم من عبيد العسكر: لماذا لا يصدر جيشنا تقريراً استراتيجياً مثل الجيش الإسرائيلي؟

ألستم تبررون وجود عسكري في قمة السلطة بأننا مثل ديمقراطية إسرائيل؟

الإسرائيليون يعرفون كل شيء عن جيشهم ونحن لا نعرف إلا ما ينشر في الدوريات الأجنبية فقط !
هل من حق قيادات القوات المسلحة أن تتجاهل الكلام الخطير الذي يشكك في وطنية المؤسسة؟ هل من حقهم أن يتركوا كل ذلك دون رد؟ (أعني رداً بالدليل وليس رداً إنشائياً بلاغياً).

هل من الوطنية أن يتحكم في هذه المؤسسة مجموعة من العسكريين، دون أي رقابة من أي مؤسسة منتخبة؟

هل أصبح تعريف المصري (الوطني) عند السادة العسكريين، مرادفاً لكلمة المصري (العسكري)؟
هل أصبح المدنيون خونة؟ وهل أصبح العسكريون فوق القانون وفوق الحساب؟

عموماً ... الوطنية هي أن تقول كلمة الحق، وليست زياً عسكرياً تزهو به، الوطنية هي أن تؤدي واجبك الحقيقي لصالح الأمة، وليست رتباً، ولا نياشين، ولا ادعاءات عن عظمة المؤسسات، وقدسيتها، ثم تظهر في النهاية حقيقة هذه المؤسسات مفضوحة على الشاشات أمام الملايين، أسرارها ملقاة على قارعة الطريق !

لا تحدثني عن (تزوير وفبركة) هذه التسريبات، لأن جميع المؤشرات تقول إن هناك تسريبات جديدة في الطريق !!!

حين نقول إن عدونا راض عن نظامنا لا يمكن أن نقبل الرد بأنه لم يعد عدواً؛ لأننا أمام نظام عسكري انقلب على نظام ديمقراطي بحجة أنه يعمل لصالح إسرائيل وأمريكا، وبالتالي ... إسرائيل ما زالت عدواً !
أما إذا قيل لنا إن الرئيس المعزول قد أرسل برقية للسيد شيمون بيريز قال له فيها (عزيزي)، فإن ذلك ليس جريمة مقارنة بمن يقبل بقضاء الليل في فراش إسرائيل، كما أن هناك تفسيراً لهذه البرقية عرفناه بعد شهور من الحدث، فقد تبين أن من يقف خلفه كان أحد مسؤولي البروتوكول الذين عملوا سنوات طوال مع نظام مبارك، وبالتالي ... هذه البرقية مكيدة، وللأسف تعامل معها مرسي بسذاجة مفرطة، ولم يحاسب أحداً ممن أوقعوه في هذا الفخ.

خلاصة الأمر ... إن وطنية العسكر تقبل أن تدمر بيوت أهل رفح لخلق منطقة عازلة لصالح إسرائيل، وتقبل أن يغرق الجيش في الشأن السياسي إلى الأذقان، وتتساهل مع تسريب الأسرار القومية من مكاتب كبار القادة، ولكنها لا تقبل أبداً أن يكتب كاتب أو أن يحذر أي مخلص من عواقب هذا الهزل؛ لأنه بذلك يهين المؤسسة، وبالتالي هو مشكوك في وطنيته.

كلمة أخيرة : أتمنى من أي مسؤول في هذه الدولة (إن كانت هناك دولة)، أن يرد على التقارير والمزاعم الإسرائيلية المشينة في حق وطنية القائمين على المؤسسة العسكرية.

للتعليق على المقال بموقع عربي 21