ما بعد الانقلاب وما بعد يناير

2014-12-03

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 3-12-2014 م

تحدثت كثيرا عما بعد الانقلاب، وطالبت جميع عقلاء هذا الوطن الذين ما زالوا يقاومون دولة الاستبداد أن يتصوروا ماذا سنفعل بعد انهيار هذا الانقلاب الهش.

في الوقت نفسه يحاول كثير من "الثوار" أن يستعيدوا لحظة الخامس والعشرين من يناير، بكل عذريتها، وبراءتها، عزمها، وتفاؤلها، وقوتها، وهذا أمر جيد، ولكنه – عمليا – مستحيل !

أتحدث عن مشاعرنا في الميدان، عن انصهار مئات الآلاف من البشر في جسد واحد (إيد واحدة)، ولست أتحدث عن مبادئ الثورة، فهي ثابتة، وإن كنا قد اكتشفنا أن كلا منا يفسرها بطريقته.

إن لحظة يناير بعد كل ما جرى في النهر من مياه أمر مستحيل، بل هو سعي لا معنى له، والتصرف الصحيح هو تطوير هذه اللحظة، وإذا سألني سائل كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ فإن إجابتي تتلخص في الآتي :

الاعتراف أولا : لا بد أن نعترف أن الحكم العسكري الذي حكم هذا البلد ستين عاما قد حقق كثيرا من النجاحات في تفريق الناس، وتخويفهم من بعضهم.

أربع سنوات مرت على يناير، ولا بد أن نعترف أننا مختلفون، وأن المسافات بيننا قد اتسعت، وأن تصوراتنا عن الحياة ليست بالبساطة التي كنا نتخيلها.

لا بد أن نعترف أننا مختلفون حول تفسير مبادئ الثورة نفسها، وأننا مختلفون في سلم أولوياتنا في الحياة.

وطبعا لا بد من الاعتراف أولا : بأننا جميعا – بلا استثناء يكاد يذكر – قد أخطأنا في حق هذه الثورة العظيمة، بل نستطيع أن نقول إن الجميع قد ارتكب الأخطاء نفسها، بشكل أم بآخر.

الاتفاق ثانيا : لا بد أن نتفق على أننا سنعيش سويا، وعلى أن التعايش بيننا ممكن، وعلى أننا لن نتمكن من العيش سويا إلا بتنازلات من الجميع.

لا بد أن ينسى سائر المخلصين في هذه اللحظة وهم الفوز بالضربة القاضية، ولا بد أن يعي الجميع أن القضاء على أي تيار مستحيل، وأن ثمن محاولة فعل ذلك أغلى بكثير مما نتخيل، وأن المكابرة في هذا الأمر أصبحت خطيئة سمجة.

الرفض ثالثا : والرفض هنا سيكون لثلاثة أمور، أولها : الدولة العسكرية، وثانيها : الدولة الدينية، وثالثها : رفض المتعصبين الموجودين في سائر التيارات.

التطوير رابعا : إذا فعلنا ما سبق، فإن بإمكاننا أن نصل إلى تصورات عامة تتعلق بتطوير ثورة يناير، ويكون ذلك من خلال أمرين : الأول : تصور عام للمرحلة الانتقالية التي تلي الانقلاب (والتي لن ينفرد فيها أي عسكري – شخصا كان أو هيئة – بإدارة المشهد).

ثانيا : تصور عام لشكل الدولة المصرية، مع تعهد الجميع بعدم الاستحواذ على أي أغلبيات أو أكثريات خلال الفترة الانتقالية، وخلال المرحلة الأولى من الديمقراطية بعد المرحلة الانتقالية.

لقد دعا الداعون إلى انتفاضة الشباب المسلم الجمعة الماضية 28 نوفمبر، وقد تعمدت السكوت، وعدم التعليق، والآن أقول بكل ثقة، لا يمكن لأي تيار لوحده أن يفعل شيئا على الأرض !

وكل من يمني نفسه بأي نجاح لتياره منفردا، أو بإقصاء الآخرين (مهما بدا حجمهم غير مؤثر) لا بد أن يراجع نفسه، ولا بد أن ينزل من أحلامه على الأرض، خاصة أنها أحلام لا مبرر لها، ولا مكسب للوطن من ورائها.

أطرح الآن سؤالا هاما : هل هناك أي محاولات جادة على الساحة لتطوير يناير؟ هل هناك من يحاول أن يرى (ما بعد يناير)؟

إجابة السؤال كالتالي :

لا يمكن تطوير يناير إلا من خلال الشباب، وتأكد أن كل ما قلته سابقا يعني بالضرورة تقاعد غالبية عجائز القيادات من سائر التيارات والحركات والأحزاب، والاستثناءات ستكون محدودة جدا، وكلامي ليس فيه إساءة لأي أحد ولا هو موجه ضد فئة عمرية بعينها، بل هو مرتبط بأفكار تعتنقها غالبية تلك الفئة أثبتت التجربة عدم صلاحية هذه الأفكار لمعالجة ما نمر به من أزمة، فضلاً عن فهمها بالشكل السليم أصلاً.

لذلك لا بد أن نرى بعين البصيرة مبادرات الشباب من سائر التيارات، والحقيقة أن من أهم ما حدث خلال الأيام الماضية هو بيان شباب الإخوان المسلمين الذي صدر (بشكل غير رسمي).

البيان يحمل اعترافاً بخطأ الجميع في حق الثورة ومن ضمنهم الإخوان، وفيه رؤية متطورة للوضع الحالي، ورؤية واقعية توافقية لمستقبل مصر، ولم يحمل أية مطالبات بعودة فصيل بعينه إلى الحكم. إن هذا البيان يقدم شكلا من أشكال (تطوير يناير) الذي تحدثت عنه.

نسبة كبيرة من شباب الإخوان مقتنعون بهذه الرؤية، صحيح أن قيادات في الجماعة ما زالت تنظر للأمور بمنظور تقليدي قديم، ولكن الواقع قد فرض الشباب فرضا على الأحداث وقد أثبت الشباب مرونة وقدرة على التطور مع الأحداث بشكل معقول.

هل نرى من شباب التيارات الأخرى محاولة لتطوير يناير؟ هل ينتج هذا البيان شيئا عمليا على الأرض يحقق التوافق بين سائر شباب التيارات التي تقف ضد الدولة العسكرية؟

الأيام القادمة قد تحمل إجابات فاصلة لتلك الأسئلة.

ملحوظة أخيرة : قد يتوقع البعض مني تعليقا على الحكم ببراءة مبارك، والحقيقة أن الحكم متوقع ومعروف، وهو فرصة للم شمل الثوار، وتجديد العهد للقصاص لشهداء يناير.

الحكم فرصة – عملية – لموجة ثورية، وليس لحظة مأساوية نكتب فيها قصائد في رثاء الثورة.

من كان يظن أن الثورة ماتت فليعلم أن عزيمته هي التي قد ماتت، وليعلم أيضا أن عزائم آخرين ما زالت حية، وبهؤلاء ستتحرر مصر.

بيان شباب الإخوان المسلمين أنقله بنصه لمن يريد أن يقرأه.

من شباب الإخوان إلى شركاء الثورة عشر كلمات إليكم ... نقولها واضحة وصريحة لا تقبل التأويل، وكلنا أمل في التجاوب معها إنقاذا لثورتنا ودفعاً لقاطرة المطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ومضياً نحو القصاص العادل للدماء التي سالت من أجل أن نحيا أحرارا كراما على أرض وطننا الغالي مصر، إلى كل الشركاء الثوريين من الليبراليين والإسلاميين والاشتراكيين والمستقلين ... إليكم نقول: (1) كل القوى الثورية ومن ضمنها الإخوان أخطأت في حق ثورة يناير، وهم الآن يدفعون جميعا ثمن أخطائهم من دمائهم و أرواحهم.

(2) انقلاب العسكر لم يكن على مرسي والإخوان، ولكنه كان على ثورة يناير وشبابها، بدليل أنه ينتقم الآن من الجميع، وهو ما ظهر جلياً خلال محاكمات الثوار وتبرئة مبارك ورموزه.

(3) لا بد لجميع قوى الثورة الحقيقية أن تتوحد من جديد ضد الحكم العسكري، والذي كان رأسه السابق مبارك والآن رأسه السيسى وأعوانه.

(4)نستطيع أن نتوحد على هدف ونموت من أجله هو #الحرية و #القصاص لكل شهداء ثورة مصر .

(5) كما يعلم الجميع نحن نفضل الشهادة او السجون على أن نتنازل ، لن ننحني للعسكر الخونة ولكننا ننحني لله سبحانه وتعالي ونقف احتراما لشركاء الثورة والكفاح من أجل مصلحة مصر الوطن الذي نناضل من أجل حريته. (6) نطالب الجميع بإعلاء مصلحة الوطن فوق كل اعتبار و نبذ كل الخلافات و المزايدات و وقف لغة التخوين فورا.

(7) لا نفرق بين شهداء الثورة على مدار أربع سنوات، فدماء شهداء مجازر محمد محمود ورابعة و ماسبيرو و النهضة و مجلس الوزراء عندنا سواء، و لن يهدأ لنا بال حتى نقتص لهم جميعا من قاتليهم. (8) لا نفرق بين كل المعتقلين و الأسرى في سجون العسكر مهما كانت انتماءاتهم الحزبية أو مواقفهم السياسية، فكلهم يدفع ثمن مشاركته في ثورة يناير. (9) نعاهد الله ثم نعاهدكم أن نستمر في الميادين و الشوارع، و لن نعود إلى بيوتنا إلا بالحرية لمصر أو الشهادة. (10) هذه الرسالة هى الأولى ولن تكون الأخيرة فتواصلنا وإتحادنا هو السبيل لإنتصار ثورتنا وحرية مصر وطننا.

وختاماً ... نمد أيدينا إليكم يا شركاء الميدان ومن اختلطت دمائهم بدمائنا وندعوكم إلى وحدة ثورية ضاربة في كل ربوع مصر هدفها إسقاط الدولة العميقة التي يقودها الفاسدون من العسكر وأتباعهم ومنتفعيهم وإسقاط رعاة الانقلاب العسكري ومصالحهم في مصر خاصة أمريكا وإسرائيل وخونة الخليج العربي إلى الثورة من جديد .... إيد واحدة شباب جماعة الإخوان المسلمين القاهرة الاحد 30 نوفمبر

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية