هل يخطئ الإسلاميون؟

2014-11-15

المقال منشور على موقع عربي 21 بتاريخ 15-11-2014 م

قبل محاولة الإجابة لا بد أن يوضح الكاتب أن المقالة تتحدث عن اللحظة الراهنة في الواقع المصري، فالسؤال المطروح يتحرك في ظل عاملين، أعني الزمان، والمكان، في مصر اليوم.

تتعدد الإجابات، فعند خصوم الإسلاميين ستجد السؤال معكوسا (هل يصيب الإسلاميون؟)، وهذا تطرف لن أضيع وقتي في مناقشته.

الإسلاميون يجيبون على السؤال السابق بعدة طرق، الطريقة التقليدية (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ومن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر)، وبالتالي أصبحت كل الأخطاء مبررة، فهي اجتهادات يؤجر صاحبها، وكفى الله المؤمنين الحساب!

وبعضهم يجيب بإجابة ثانية خلاصتها (لقد وصلنا إلى الحكم، ولم يتعاون معنا أحد، والدولة العميقة كانت ضدنا، والتخطيط للانقلاب كان منذ اليوم الأول، وأنتم جميعا (يقصدون كل من عارض مرسي بلا تفرقة) قد ساعدتموهم، نحن ضحايا، وأنتم المجرمون، نحن ضحايا جميع العصور).

وهذه الإجابة فيها خلل كبير، فالأمر ليس بهذه البساطة، فالمؤامرة على من سيصل لحكم مصر أمر بديهي، ومقاومة هذه المؤامرة تكون بتوحيد الصف الثوري، وليس بالتحالف مع الدولة العميقة، ثم بالشكوى من عدم تعاون الآخرين معنا.

كما أن معارضة مرسي ليست إثما، بل هي واجب على كل من يراه قد أخطأ، وكثير من معارضيه (من غير جبهة الإنقاذ) كانوا شرفاء في معارضته، ولو أنه استمع لنصائحهم، لما وصل الحال إلى ما هو عليه اليوم.

بعض الإسلاميين يجيب بإجابة ثالثة (لقد أخطأنا أخطاء كبيرة، لأننا كبار، وأخطاء الكبار دائما كبيرة، والمخطئ هنا هو قياداتنا المستبدة التي شاخت وتخطاها الزمن منذ عشرات السنين، ولا بد أن نعتذر عن هذه الأخطاء، ولكن الاعتذار الآن لن يفيد الثورة، بل سيفيد الانقلاب، كما أنه سيعتبر خنجرا في ظهر قياداتنا الملقاة في السجون، ونحن لم نَتَرَبَّ على ذلك.

لقد ارتكبنا أخطاء كثيرة وكبيرة، بعضها يصل إلى درجة الخطيئة، وسالت دماء مظلومين بسبب تحالفنا مع الدولة العميقة، ومحاولة التملص من المسؤولية لا تليق.

لقد أخطأنا، وسنعتذر في الوقت المناسب، وها نحن ندفع الثمن أضعاف أضعاف أخطائنا، ولكن رغم ذلك، نحن على استعداد للصلح مع سائر فرقاء الثورة من أجل استعادة المسار الديمقراطي).

هذا الكلام يقوله كثير من شباب التيار الإسلامي، ولكن هناك إصرار على التعتيم على وجهة النظر تلك، واعتبارها رأيا فرديا لمن يقوله، والحقيقة – وبعد استقراء للواقع المعقد على الأرض – أنها رأي تيار ضخم من شباب الإسلاميين.

شباب التيار الإٍسلامي على استعداد لتقديم تنازلات ضخمة من أجل استعادة المسار الديمقراطي المخطوف، واستعادة هذا المسار أهم بكثير من استعادة منصب، وأهم بكثير من أي ثأر شخصي لأي أحد.

أصحاب وجهتي النظر الأوليين حريصون على التشويش على وجهة النظر الثالثة، خصوصا حين يتجرأ أحد هؤلاء الشباب على الحديث عن مراجعات أو تفاهمات تشمل انسحاب التيار الإسلامي من الحياة السياسية بشكل مؤقت بعد إسقاط الانقلاب، أو مشاركته وفق شروط صارمة تضمن عدم تكرار ما وقع فيه من خطايا سابقة، وهذا الانسحاب أو المشاركة المنضبطة يهدفان إلى طمأنة من يظن أن الإسلاميين سيسعون للاستحواذ على كل شيء حين يعود المسار الديمقراطي، أو سيساهمون في ضياع المسار الديمقراطي المأمول من جديد.

إدارة المعركة على الأرض يتولاها الشباب، والعجائز لا دور لهم، مفاصل الحركة الإٍسلامية اليوم (عمليا) في يد شباب لم يبلغوا الثلاثين.

هذه الحالة الشبابية الثورية لم يعرفها التيار الإسلامي منذ أربعة عقود على الأقل، ٍفأصحاب الشعر الأبيض يسيطرون على كل شيء منذ عشرات السنين، وأسوأ ما في الأمر أنهم لا يشعرون بأي حرج في ذلك، ولا يرون أن وجودهم في تلك المناصب يعيق تقدم تلك الحركات، ويعيق تقدم الوطن كله.
قدرة الشيوخ على السيطرة على الشباب ليست كبيرة، ومصداقية كثير من الرموز عند نسبة كبيرة من هؤلاء الشباب أصبحت تساوي صفرا !

من مشاكل التيار الإسلامي اليوم هو (كيف يمكن محاسبة قيادات الإسلاميين التي تسببت في هذا الوضع الذي تمر به مصر اليوم؟)

الجيل الجديد من الإسلاميين يملك جرأة طرح السؤال، ويملك بعض الإجابات التي قد نتفق أو نختلف معها.

وما زال السؤال مطروحا : "هل يخطئ الإسلاميون؟"

إجابتي الشخصية : لقد أخطأ قادة التيار الإسلامي حين استولوا على زمن ليس زمنهم، فأصروا على تصدر المشهد وتهميش جيل الثورة، و أخطأوا حين جمدوا شرايين وأفكار جماعاتهم دون تطوير، وحين تخيلوا أنهم قادرون على أن يكونوا قادة تنظيم سري ورجال دولة في الوقت نفسه، لقد أخطأ هؤلاء القادة خطيئة كبرى حين عقدوا صفقات مع أعداء الثورة، وورطوا شبابهم في معارك خاسرة.

أما شباب الإسلاميين السلميين ... فلهم عندي تقييم آخر، فهم نعم الرجال، وهم يقودون حراكا جماهيريا بطوليا، يقفون أمام الرصاص الحي، ويقدمون الشهداء والمعتقلين، يقودون معركة كبيرة امتدت شهورا طويلة دون لجوء إلى العنف رغم إصرار البعض على جرهم إلى ذلك، وهم رصيد وطني سينفع هذا البلد، ودورهم في المستقبل كبير، خصوصا بعد انسحاب أو "إزاحة" عجائز التيار الإسلامي.

آن لقيادات التيار الإسلامي أن تنسحب من المشهد، لأنهم هم من أوصلنا إلى هذا الوضع المزري الذي نحن فيه، وآن لشباب التيار الإسلامي أن يتقدم، وأن يتسلم الراية، فهذا موقعه الطبيعي، وهذا كفيل بلم الشمل، وجمع صفوف الثورة، من أجل تحقيق أهدافها بعد إنهاء فترة الحكم العسكري التي امتدت ستة عقود.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

للتعليق على المقال بموقع عربي 21