سينما المخابرات... الجزيرة نموذجًا

2014-11-05

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 5-11-2014 م

تدير الأجهزة الأمنية حياتنا كلها اليوم، وهذا هو الفارق الرئيسي بين الحرية والعبودية، بين الديمقراطية والاستبداد.

لا تشغل نفسك بالبحث عن الفروق بين التقدم والتخلف، فالفارق واضح وضوح الشمس، في كل الدول التي تقدمت هناك مؤسسات، وهذه المؤسسات تدير الدولة، ولكل مؤسسة تخصصها الذي تعرفه، هناك مؤسسة متخصصة في تعليم الناس، وأخرى عملها علاج المرضى، وثالثة تدير الاقتصاد، وهكذا، أما في مصر في عهد الانقلابات العسكرية منذ أوائل خمسينات القرن الماضي وإلى اليوم، فأجهزة الأمن هي التي تدير كل هذه المؤسسات، ولا تحدثني عن التخصص، لأنك ستجد دائما ضابط مخابرات يروي لك قصة طويلة، خلاصتها أن الأمن القومي للبلاد يقتضي أن يدير هو وزملاؤه الضباط هذه الملفات، وأن يجلس المتخصصون في منازلهم، أو أن يعملوا طبقا لتوجيهات الضباط على أفضل تقدير.


في السينما، تدير أجهزة الأمن هذا الملف بتزوير الوعي، وتزييف التاريخ، وهم يفعلون ذلك باجتذاب الفنانين المعروضين للبيع والإيجار، وأقسى ما يحز في قلبك حين تفعل أجهزة الأمن ذلك مستغلة بعض الفنانين من غير المعروضين للبيع أو الإيجار.

الجزء الثاني من فيلم الجزيرة يعتبر أنموذجا حيا لأفلام المخابرات في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة من عمر مصر، والتي لا بد فيها من تعميم رواية واحدة لأحداث التاريخ.

ما هي رسائل المخابرات في فيلم الجزيرة؟

هناك عشرات الرسائل في هذا الفيلم، ولكن أهم الرسائل ثلاث، الرسالة الأولى:

هدم المُسَلَّمَات، وبناء مُسَلَّمَات بديلة

في هذا الفيلم ستجد سائر المُسَلَّمَات قابلة للنقاش، إلا مُسَلَّمَةً واحدة، وهي (أن الإسلاميين طائفة واحدة، وجميعهم شر مطلق، وأنهم لا أمان لهم، وأنهم ليسوا وطنيين، بل خونة، عملاء، ليسوا من أهل البلد، ومعهم أموال لا حصر لها، وأنهم لا يبالون بالحلال أو الحرام، يرتزقون بالدين قولاً واحدًا )هذه مسلمة غير قابلة للنقاش في هذا الفيلم، ولن تجد إلا رأيًا واحدًا قاطعًا حول هذا الموضوع، من بداية الفيلم إلى نهايته).

المُسَلَّمَات الأخرى مشكوك فيها، ودائما تجد أمامك الرأيين، فوزارة الداخلية لم تقتل المتظاهرين في ثورة الخامس والعشرين من يناير، بل إن لواء الشرطة الفاسد حسب ما قدمه الفيلم في جزئه الأول، يظهر هذا الضابط الفاسد في لقطة صريحة وهو يتحصن داخل مديرية الأمن، ثم يهاجمه المتظاهرون الهمج، وهو يعطي أوامره أولا بضرب المتظاهرين في أرجلهم يا للرأفة، ثم بعد ذلك يأمر بضربهم في مقتل، ولكن بعد فوات الأوان.

حركات المقاومة في غزة لم تحارب اليهود، هكذا بمنتهى البساطة !

لواء الشرطة (الفاسد) يشكك المشاهد في شعار الشرطة (الشرطة في خدمة الشعب)، وهذا شرف للشرطة، وشرف لأي مؤسسة أن يوضع على جدارها هذا الشعار، ولكن لواء الشرط (الفاسد) يقول بكل فخر "الشرطة مش خدامين عند حد" !

وكأن خدمة الشعب المصري أمر مهين، يشككون المشاهد في أن خدمة الشعب شرف لأي أحد، ولكنهم لا يشككونك أبدا، ولو بكلمة واحدة، في عمالة وخيانة الإسلاميين !

وهكذا... يمضي بك السيناريو الركيك ليشكك المشاهد في عشرات المُسَلَّمَات، ولكن الشيء الوحيد الذي تراه واضحا غير قابل للتشكيك من أول الفيلم إلى آخره، هو أن الإسلاميين (الإخوان بالذات) شر لا خير فيه، لا يوجد فيهم شخص محترم، لا يعرفون من الدين إلا القشور، إنهم مرتزقة، يتاجرون في السلاح، بل في المخدرات إذا اقتضى الأمر، ويرتكبون سائر الموبقات، ولا هم لهم سوى السلطة.

الرسالة الثانية: الثورة مؤامرة... ولولا المؤامرة الخارجية التي تعاونت مع الإسلاميين في الداخل لما قامت هذه الثورة


أفلام المخابرات تريد منك أيضًا أن تؤمن بنظرية المؤامرة إيمانا كاملا، كل شيء مُدَبَّرٌ، وطبعا كل تلك التدابير كانت بالتعاون مع الإسلاميين، ولا عزاء لمن يُعْمِلُ عقله قليلا، فما مصلحة الرحالة (الاسم الحركي في الفيلم للإخوان علشان الإحراج!!!) في قتل منصور الحفني في السجن أثناء اقتحام السجون؟

وما ملصحتهم في محاولة قتل لواء الشرطة (الفاسد) بعد أن برأته المحكمة؟ (تلك المحاولة التي نتج عنها مقتل أسرته).

لقد قتلت أسرة هذا الضابط الفاسد بقنبلة موقوتة في سيارته، وبالتالي... تصل الرسالة للمشاهد لكي يربط بين التفجيرات التي تحدث في شوارع مصر اليوم، وبين الإسلاميين، وهو ربط مباشر يصل إلى عقلك الباطن بكل سهولة، وتغنيك هذه اللقطة في هذا الفيلم عن عشرات المحللين الاستراتيجيين وركاكة تحليلاتهم.

طبعًا لا يفوتني هنا أن أنبهك إلى أن الرواية المخابراتية في قصة فتح السجون هي الرواية المعتمدة في الفيلم، بلدوزرات، وأشخاص غير مصريين، دخلوا بشكل منظم، وقتلوا قوات الشرطة التي كانت تدافع ببسالة منقطعة النظير عن السجن.

لم يكن ينقص هذا المشهد سوى أن يأتي لنا الفيلم بدوبلير للواء البطران، يوضح أن من قتله هم هؤلاء الإسلاميون المجلوبون من الخارج، تنفيذا لمؤامرة كونية تهدف لإسقاط مصر، وبهذا يجيبون لنا عن الأسئلة المعلقة، تلك الأسئلة التي رفضت جميع أجهزة الدولة الإجابة عنها، أو التحقيق فيها، من الذي قتل اللواء البطران؟ الإجابة ستنسف رواية المخابرات، وأفلام المخابرات.


الرسالة الثالثة: الثورة (هوجة)، ليس لها صاحب، وليس لها أهداف، وليس لها أسباب

من أهم ما تهدف له أفلام المخابرات أيضا أن يقنع المشاهد أن ثورة يناير (هوجه، مالهاش صاحب)، وبالتالي ترى أي مرتزقة يقومون بدور الثوار، ويحاصرون مديريات الأمن، بمطالبات سخيفة، وبأسلحة رشاشة (لزوم الشغل)!

البلد كانت (زي الفل) قبل الثورة، والشرطة كانت تعمل بجد، والأخطاء لا تستدعي كل هذا الذي حدث، بل إن الفاسدين في رجال الشرطة قلة، وسياسة الوزارة كانت سليمة، والمشكلة في (بعض) الضباط الفاسدين.

أَعْلَمُ جيدًا الفارق بين الحقيقة والخيال، وأعلم جيدا أن لغة الفن ليست لغة مباشرة، وأننا لا نستطيع أن نحاسب الفنان بناء عليها، ولكني أعلم أيضا – بحكم أنني من طائفة الفنانين – أن لغة الخطاب في مثل هذا الفيلم أوضح من أن توضح، وأن الرسالة الفجة التي وصلت للمشاهد تؤكد باختصار على أننا قد وصلنا للحضيض، وعلى أن تزوير الوعي، وتزييف التاريخ يتم أحيانا بأيدي بعض الطيبين حسني النوايا، وليس بيد (الأشرار) المأجورين فقط !

لقد قيل قديما إن الثورات تأكل أبناءها، ومن أشد ما يؤلمني اليوم أن أرى أبناء ثورة يناير يأكلون ثورتهم، بترديد أساطير المخابرات وأباطيلها، كرها لفصيل ما، أو تأثرا بحدث مؤقت.

لو كانت لي كلمة أوجهها للمشاهد فإني أقول له شاهد الفيلم، وترحم على شهداء ثورة يناير، وادع لهم بالرحمة، وتأكد أن جيلا جديدا من الثوار يتم تعميده الآن بالدم والحديد والنار، جيل لا يأكل ثورته أبدا !

أما كلمتي لأجهزة الأمن (والتي أظنها في قمة السعادة بهذا الفيلم) فإني أقول لهم (روايتنا للتاريخ ستكون هي الرواية المعتمدة في كتاب التاريخ... لأن الثورة ستنتصر قريبا بإذن الله).


عاشت مصر للمصريين وبالمصريين...

 

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية