مقالتان عن السلمية

2014-08-23

المقال منشور على موقع عربي 21 بتاريخ 23-8-2014 م

المقالة الأولى نشرتها في 24 يناير عام 2013، كانت موجهة لليبراليين، فهم من شكك في جدوى السلمية في ذلك الوقت، وهم من أنشأ ما عرف حينها بــ(البلاك بلوك)، وهم من ملأ الفضاء الألكتروني سخرية من "خالتك سلمية" التي ماتت، كما أن تظاهراتهم وتجمعاتهم السياسية كانت لا تخلو من المولوتوف وأشكال العنف المختلفة، بل إن بعضهم قد بدأ بالاعتداء على مقرات الأحزاب التي لا تعجبهم، بل بلغ الخبل مداه حين أحرق بعض الشباب الحمقى أحد المحلات الشهيرة في وسط البلد لمجرد أن مالكه ملتح، والجميع يعرف أنه لا علاقة للرجل بالإخوان أو بالسياسة أصلا.

كانت خلاصة المقالة :

(سلمية الثورة المصرية سبب نجاحها الأول والأكبر، ولو أن هذه الثورة لم تلتزم السلمية لأبيدت بمباركة العالم كله، ولما انضم لها الشعب المصري.

العنف أمر عواقبه وخيمة، ولا يمكن أن يحصل تغيير سياسى بالعنف، فهو ملعب خصمنا، ونحن لا نستطيع أن نجاري النظام في ملعبه، فهم أقدر منا على استخدامه، ويملكون أدواته، ومدربون عليه، بل جُبِلوا عليه، وبالتالى إذا بدأنا معهم معركة العنف، فلا شك أنهم سيهزموننا شر هزيمة.

كما أن مصر جَرَّبَت محاولات التغيير بالعنف على مدار عشرات السنين، ووصلت الأمور إلى حد تكوين ميليشيات مسلحة تتحصن بالجبال، وتقوم بعمليات عسكرية ضد الحكومة، وتغتال مسؤولين كبارا، وفى النهاية أبيدت كل هذه الحركات بلا رحمة، ولم يجن منها الوطن إلا مزيدا من الحقد والكره.

لم نكن غافلين عن تجارب التغيير العنيف، حين قررنا أن التغيير السلمي هو الحل، لقد درسنا هذه التجارب العنيفة فى العالم كله تقريبا، واخترنا أن نغير بالسلم.

لم نختر التغيير السلمى لأننا جبناء، بل لأنه الحل الوحيد، ومن الحماقة أن نستنسخ تجارب آبائنا وأجدادنا بعد أن شاهدناها تفشل أمامنا مرة بعد أخرى.

بسبب تباطؤ تحقيق مطالب الثورة، نرى بعض الشباب يتحدث عن أن «سلمية» ماتت، وأن الحل في العنف!

وكأن قدر هذا البلد أن يجترَّ تجاربه، أو كأن قدر هذا الجيل، أن ينكص على عقبيه، وأن يقلد من سبقوه، وأن يكون نسخة من أجيال سبقته، أجيال لم تورث مصر إلا الحقد والدم والاستبداد.

إلى كل الثوار: لقد حققتم ما عجزت عنه الأجيال السابقة، وأنتم اليوم مهددون أن تكونوا أسوأ من كل الأجيال التى سبقتكم).

وختمت مقالتي بقولي (إن «سلمية» لم تمت، ولكن بإمكانكم أنتم أن تقتلوها، الأمر إليكم!)

هذه خلاصة ما كتبته في يناير 2013، أثناء حكم الإخوان، حين كان الإسلاميون يتمسكون بالسلمية، والليبراليون يشككون في جدواها.

وفي ذلك الوقت (يناير 2013) كنت ضمن مجموعة من خيرة شباب الثورة أطلقت وثيقة الأزهر لنبذ العنف، وكان ذلك من مشيخة الأزهر، وبرعاية شيخه، وهاجمنا الليبراليون حينها هجوما لا هوادة فيه، واتهمنا بأننا نبرر عنف الدولة (دولة الإسلاميين)، وكان عنف الدولة حينذاك لا يصل عشر معشار ما يحدث اليوم...!

تراجعت الدولة عن هذه الوثيقة، وتراجع الأزهر في موقف مشين عن رعاية هذه الوثيقة، وتراجع شيخه، ولا يكاد يجرؤ أحد أن يذكر هذه الوثيقة التي نكص عنها جميع الليبراليين.

لم يبق أحد ملتزما بهذه الوثيقة إلا الشباب الذين أصدروها، والتنظيمات والأحزاب والقيادات الإسلامية التي وقعت عليها (والمتهمون اليوم بالعنف والإرهاب) !!!

المقالة الثانية أكتبها اليوم، بعد أن قَلَبَت الأيامُ الآية، وبعد أن رأينا بعض أنصار التيار الإسلامي يشككون في جدوى السلمية، بينما يُعَيِّرُهُم دعاة العنف بالأمس بمجرد تفكير البعض في الخروج عن السلمية.

بل إن بعض الجهات (اياها) تحاول جاهدة تلفيق كيانات وجماعات مسلحة لكي تستبيح الدماء أكثر وأكثر.

خلاصة ما أريد أن أكتبه اليوم أن السلمية منهج، وليست أمرا اختياريا تكتيكيا نتخلى عنه متى نشاء، ونلتزم به حسب الظروف.

بالنسبة لي أنا ألتزم بالسلمية لأن هدفي من كل هذا النضال (حياة ديمقراطية ووطن منفتح على كافة الآراء، ويرحب بكافة المعتقدات).

من ينتصر بالكلانشينكوف لن يقدم لي هذا الوطن الحر الذي أريد !

من ينتصر بالسيف سيُقدِّسُ السيف وسيحكم بالسيف !

لقد كرست حياتي كلها من أجل التغيير، دون طمع في السلطة، بل هدفي أن يختار الناس ما يريدون من الأفكار، ومن يريدون من القيادات.

من يبدأ العنف اليوم تأكد أنه سيواصل العنف غدا وبعد غد، وإذا وصل للسلطة بالعنف، سيمارسه ضد معارضيه، وسيصبح العنف منهاج حياة له.

ما الذي تعيشه مصر اليوم؟

مصر اليوم تعيش تحت سطوة مجموعة من الناس لم يصلوا إلى السلطة إلا بالدبابة، ولن يستمروا إلا بالدبابة، ومن يتغلب عليهم بالدبابة سيحكمنا بها أيضا !!!

إذا كنت ممن يريدون الوصول للسلطة فقط، ولا هدف لك إلا السلطة، فمن الطبيعي أن تفكر في سائر طرق الوصول لذلك، بالعنف، بالانقلابات العسكرية، بأي طريقة، وفي هذه الحالة لا فرق بينك وبين النظام الذي تزعم أنك تقاومه.

أما إذا كنت ممن يريدون الحرية، ويتمنون الخير للناس، ويهدفون إلى إعطاء الشعب حق اختيار حاكمه، فتأكد أنك لن تقبل بالعنف منهجا، لأنه طريق للسلطة، وليس طريقا للحرية، ولا الديمقراطية بأي حال.

العنف يوصل حامل السلاح للعرش، ولكنه لا يوصل الشعب إلى الحرية !

تحية لكل الأحرار السلميين الصابرين في الشوارع، تحية للصامدين في السجون، تحية للمصابين الذين يعانون، تحية لكل من يعلم أن للحرية ثمنا غاليا، وأن للاستقلال الوطني ضريبة كبيرة.

استمرار حراك الشارع ضرورة، وإذا خفت هذا الحراك سيطول عهد الظلم والظلمات، ولكن هذا الحراك لا بد أن يظل حراكا سلميا.

ملحوظة (بدهية) : إذا قال لي بعض الناس "ولكنهم يطلقون علينا الرصاص!"، سأقول لهم "السلمية لا تعني أن لا تحمي نفسك، ولا تعني سقوط حقك في الدفاع الشرعي عن النفس".

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...    

رابط المقال على موقع عربي 21