تستمر الحياة.. ويستمر الحوار بين الأجيال

2014-06-21

المقال منشور على موقع عربي 21 بتاريخ 21-6-2014 م

(يا بني ... أنا أكبر منك، خبرت الحياة، عركتني وعركتها ... ياما شفت !

هل تريدني يا بني أن أصدق أن إنجلترا بجلالة قدرها، القوة العظمى الأكبرعلى كوكب الأرض، المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، الجيش الجرار، والأسطول الذي لا أول له ولا آخر ... هل تريدني أن أصدق أنكم قادرون على هزيمة هذه المملكة وتحقيق الاستقلال التام الذي تزعمون ببنادقكم الخردة؟)

هكذا تحدث الرجل الطيب في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، مقتنعا بكلامه، ينصح ابنه الأهوج الذي يسير في التظاهرات، وربما يدعم العمل الفدائي السري ضد الانجليز.

يرد الابن : 

(يا أبي ... وهل يمكن أن نسكت على ما يحدث من انتهاك لأرضنا وكرامتنا؟ هل تقبل أن تدنس أرض مصر بجيوش مستعمر غاصب؟)

يرد الأب بعد أن ينفخ ويحوقل :

(وهل أنا سعيد بوجودهم؟ يا ابني ... والله العظيم لو أن هناك أملا بنسبة واحد في المليون في تحرر مصر ببنادق الأطفال تلك لقلت لك اذهب مع الفدائيين، ولنزلت بنفسي معكم، ولكنكم تحرثون البحر ... إنه جيش الانجليز الذي لا يهزم يا ابني، أنتم تضيعون أنفسكم وحياتكم من أجل وهم، من أجل لا شيء).

يرد الابن بعد تذكر النبي أيوب وصبره :

(من قال ذلك؟ لقد هزمت انجلترا في العديد من دول العالم)

يقاطعه أبوه بعصبية :

(هذا استثناء لا يعول عليه، وفي مناطق غير مهمة، لذلك قررت إنجلترا بمزاجها أن تنسحب، ولو أرادت البقاء لبقيت ... نحن وضعنا مختلف).

دار هذا الحوار بين الآباء والأبناء آلاف المرات، في مصر وفي دول عربية أخرى، وفي دول غير عربية، وتَبَيَّنَ – بعد مرور الوقت – أن الحق كان مع الأبناء، وتحررت مصر من الاستعمار الانجليزي (وعشرات الدول كذلك)، وحققت مصر استقلالها، ولولا أن من حكم مصر من أبناء الوطن ذلك الاستقلال للمستعمر مرة أخرى بالاستبداد، فصرنا مستعمَرين بمستعمِرٍ محلي، يفعل فينا من القتل والانتهاكات أضعاف أضعاف ما فعله المستعمر الأجنبي.

اليوم ... يدور حوار آخر، طرفاه جيل الكبار الذي وقف في شبابه أمامالآباء ليقنعهمبواجبه وحقه في مقاومة الاحتلال، وبضرورة نيل الاستقلال، وقفوا أمام آبائهم برغم أن هذه الأفكار في ذلك الوقت كانت تعتبر ضربا من الخيال المستحيل في نظر الغالبية العظمى من المصريين، وجيل الشباب الذي يملك حلم استقلال آخر، الاستقلال من الاستبداد.

جيل الكبار (وله كل الاحترام والإجلام والتقدير) بعد أن شاب وشاخ ... يطالب جيل الشباب اليوم بالخضوع لرؤية ورأي كبار السن، ويدور حوار آخر، يقول فيه الأب :

(يا بني ... أنا أكبر منك، خبرت الحياة، عركتني وعركتها، ياما شفت !

هل تريدني يا بني أن أصدق أن الدولة بجيشها وشرطتها ومخابراتها وأمن دولتها، الدولة بملايين الموظفين، وبآلاف الأغنياء ورجال الأعمال المؤيدين لها، وبجيوش البلطجية المستعدين لتقطيع المتظاهرين بالمطاوي ... هل تريدني أن أصدق أنكم قادرون على هزيمة هذه الدولة وتحقيق التغيير السلمي والتحول الديمقراطي الذي تزعمون؟)

ويجيب الابن المسكين :

(يا أبي ... وهل يمكن أن نسكت على ما يحدث من انتهاك لكرامتنا وأعراضنا وأموالنا؟ هل تقبل أن تصبح مصر في ذيل الأمم من أجل مجموعة من اللصوص؟ هل يوجد أي أمل في أن نعيش حياة شبه آدمية مع وجود هؤلاء في السلطة؟)
يرد الأب بعد أن ينفخ ويحوقل :

(وهل أنا سعيد بوجودهم؟ يا ابني ... والله العظيم لو أن هناك أملا بنسبة واحد في المليون في تحرر مصر بتظاهرات الأطفال تلك لقلت لك انزل، ولنزلت بنفسي معكم، ولكنكم تحرثون البحر ... إنها الدولة ... لن تستطيعوا أن تهزموا الدولة يا ابني،أنتم تضيعون أنفسكم وحياتكم من أجل وهم، من أجل لا شيء).

يرد الابن بعد تذكر النبي أيوب وصبره :

(نحن نريد إصلاح هذه الدولة لا هزيمتها، وتأكد أننا كسبنا جولات كثيرة، أم نسيت حسني مبارك؟)

يقاطعه أبوه بعصبية :

(هذا استثناء لا يعول عليه، لقد قررت الدولة بمزاجها أن تخلع مبارك، ولو أرادت له البقاء لبقي).

يا شباب ثورة يناير ...

لقد رفض آباؤكم وأجدادكم طغيان الانجليز، وقاوموهم بكل أشكال المقاومة الممكنة، وهذا فخر لهم ولكم، برغم أن القضية كانت تبدو خاسرة في ذلك الوقت ... وأنا أقول لكم ... فلتتخذوا منهم قدوة !

كونوا مثل آبائكم في شبابهم، كونوا خير خلف لخير سلف، ولا تشيخوا مبكرا، وإذا حاول أحد إقناعكم بأن ما تفعلونه حرث في البحر، فذكروه بأن طريقنا صعب لأنهم لم يبدؤا تمهيده قبلنا.

لكل جيل حلمه، والحلم لا بد أن يبدو مستحيلا في ظاهره، ولكن بالتصميم يتحقق، وحلمنا مشروع، وهو حق وواجب، ولا نملك إلا أن نسعى لتحقيقه، حياة جيلنا مرهونة بنجاح هذه الثورة، مهما قدمنا من التضحيات.

نحن الجيل الذي وضع يده في عش الدبابير، ولا خيار أمامنا إلا أن نكمل المسيرة.

تحية لكل الصامدين، في السجون، وفي الشوارع، وعلى كل ثغر من ثغور مقاومة الاستبداد في هذا الوطن الغالي.

تحية لكل الحائرين الجالسين في بيوتهم لا يعرفون كيف يتصرفون، ولا يعرفون لمن يتحيزون بعد أن فقدوا ثقتهم في الجميع، وأقول لهؤلاء ستنكشف الغمة، وسيظهر الله لكم الحق من الباطل قريبا بإذن الله.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

للتعليق على المقال على موقع عربي 21