مصادرة الأموال بين الفخر والعار

2014-06-18

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 18-6-2014 م

صودرت أموال كثيرة في عهد جمال عبدالناصر، وأنور السادات، والمخلوع مبارك، وفي عهد انقلاب الثالث من يوليو 2013.


ولكن هل كل من صودرت أموالهم سواء؟

هل كل أحكام الحجز على الأموال تشين أصحابها؟

في عهد عبدالناصر كان الغنى في حد ذاته تهمة، لقد قامت ثورة يوليو 1952(ثورة أو انقلاب ... اختر ما يعجبك) وفي مصر ما يزيد عن أربعمائة أسرة تنتمي إلى الأسرة الملكية وإلى طبقة الباشوات، وقد اعتبرَ النظامُ حينها كل هؤلاء أعداء للثورة والشعب، واعتبر أموالهم منحة من الملك الذي أعطاهم من مال الشعب، أي أنها منحة من لا يملك لمن لا يستحق، وينبغي أن يعود مال الشعب إلى الشعب، (كثير من هؤلاء الباشاوات لم يكونوا مصريين أصلا).

وبالتالي بدأت عملية مصادرة كبيرة (تم تشكيل لجنة للمصادرة ولإحصاء ما في القصور، وبإمكانك مراجعة كتاب "مجوهرات أسرة محمد علي والأربعين حرامي" لمؤلفه الأستاذ حسين الرملي لتعرف المساخر التي حدثت في ذلك الوقت).

المال المصادر لم يعد للشعب، وإنما دخل جزء كبير منه في كروش الباشوات الجدد (السوبر باشاوات كما سماهم د.حسين مؤنس)، ولكن في نهاية الأمر هذا ما حدث، وكانت حجة مصادرة الأموال من الناحية النظرية تستند إلى منطق قوي.

(بإمكانك عزيزي القارئ أن تتعرف على حجم السرقة التي حدثت في هذا الأمر من خلال كتاب "باشوات وسوبر باشاوات، صورة مصر في عصرين"، من تأليف الكاتب الكبير د.حسين مؤنس رحمه الله).

يقول د.حسين مؤنس في كتابه : "والأمر هنا لا يقتصر على أملاك المَلِك ومحتويات القصور الملكية ... وهي ثروة قومية يملكها شعب مصر ... ولكن جاءت بعد ذلك مصادرات أموال كل طبقة الباشاوات وأسرهم وأتباعهم، ثم أملاك الخواجات وشركاتهم ومتاجرهم وأموالهم، أي ثروة مصر القومية كلها، ومدخرات مصر كلها خلال 150 عاما" انظر ص 68 المرجع السابق.

بعد أن صادرت الدولة ممتلكات كل هؤلاء فشلت في إدارتها على المدى الطويل، ودخل كثير منها في كروش أفراد لا في خزينة الدولة،ثم جاء عصر الانفتاح السداح المداح، ثم جاء عصر الرئيس المخلوع الذي باع كثيرا مما تمت مصادرته ليصل إلى من لا يستحق بسعر بخس أيضا.

(بإمكانك عزيزي القارئ مراجعة ما جرى في صفقة عمر أفندي على سبيل المثال)

ثم جاء انقلاب الثالث من يوليو 2013 ليعود النظام إلى سابق عهده (أعني عهده الخمسيناتي الذي يأخذ الأموال من أصحابها إلى كروش المحظوظين)، ولكن هذه المرة بشكل أشد انحطاطا، فتم إيقاف مئات الجمعيات الخيرية، وتمت مصادرة أموال مئات الأشخاص، كان آخرهم سوبرماركت سعودي، وبالنظر إلى أغلب شخوص من صودرت أموالهم يمكنك أن تلمس القاسم المشترك بينهم، وهو أنهم جميعا ليسوا أغنياء بالوراثة، ولا أثر في أموالهم لإقطاع أو منحة، أو سرقة مال عام، أو هبش من أموال الفقراء، أو فواتير وحسابات مديونية لهم عند دول أخرى اضطروا لتحميلها على الغلابة كي يسددوها عنهم.

إن جميع من صودرت أموالهم في هذا العهد أصحاب كفاح وعمل وجد طويل، جمعوا أموالهم بالحلال، وشهد لهم القاصي والداني بالنزاهة وطهارة اليد، وهذه هي شروط المصادرة في عالم ما بعد 3 يوليو.

أما الذين صودرت أموالهم من رجالات الحزب الوطني والدولة العميقة فقد جرى اتهامهم بالعكس، أي بالحصول على أموال لا تخصهم، أموال مسروقة، أموال الشعب المصري، وأول المتهمين بذلك هو الرئيس المخلوع نفسه، فقد حُكِمَ عليه في قضية القصور الرئاسية بحكم هو العار بعينه.

(أثبت الحكم أن مباركا وزوجته وأبناءه كانوا ينفقون بلا حساب من أموال الدولة على كل شيء في حياتهم، بل إن هذا الرئيس المخلوع الذي يدافع عنه بعض الإعلاميين المخبرين شيَّدَ مقبرة حفيده الذي مات في عام 2009 بمال حرام من أموال المصريين...! لم يفكر هذا الجبار العتل في أن يكتب شيكا من ماله الخاص لهذا الغرض الاستثنائي).

هذه أخلاقنا ... وهذه أخلاقكم ...!

هذه أموالنا ... وهذه أموالكم ...!

أموال تصادر (فعلا) لأنها من حلال إلى حلال، ويتهم أصحابها أنهم إرهابيون، يمولون شراء الأسلحة، وضع ما شئت من التهم التافهة الحقيرة، وأموال أخرى تصادر (على الورق) مع أنها سُرِقَتْ من أموال الشعب، ويقال عن أصحابها أنهم ضحايا ومظلومون ويستحقون العفو الطبي، ومراعاة السن.
اتهاماتكم تشرفنا، وسندخل بها التاريخ فخورين بأفعالنا.

أما أنتم يا سراق المال العام، فمعروف تاريخكم، مخلوعكم لص بحكم المحكمة، ومكانكم في سجل العار محفوظ !

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية