مصر ليست إسرائيل !

2014-05-22

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 22-5-2014 م

يقولون لنا بلزوجة الكائنات الفضائية في الأفلام الأمريكية "لماذا تنكرون علينا ترشح العسكريين بينما غالبية السياسيين الإسرائيليين ذوي خلفيات عسكرية؟ بل إن منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ سنوات طوال يكاد يكون مقصورا على العسكريين، وكل ذلك بانتخاب الشعب الإسرائيلي المتحضر".

رأيي الشخصي أن إسرائيل بلد يتمتع بقدر كبير من الديمقراطية، ولكن عيب ديمقراطيتهم أنها لليهود الإسرائيليين فقط، إنها دولة دينية ثيوقراطية يهودية، وهم قوم عنصريون حتى في ديمقراطيتهم، ودولتهم تلك تقدم خدمة الديمقراطية "ديليفيري" لليهود، أما الإسرائيليون من غير اليهود، أو البشر غير الإسرائيليين فلا حقوق لهم في الديمقراطية.

إذن لماذا لا يتمتع العسكريون المصريون بما يتمتع به العسكريون الإسرائيليون في ظل ديمقراطيتهم المتقدمة؟

قبل أن أجيب لا بد أن أذكر أن مؤسسة القوات المسلحة ملك لكل المصريين، وهي مؤسسة وطنية عظيمة، نحترمها، ونحترم دورها في إقامة الدولة المصرية، وفي استمرارها، وفي الدفاع عن حدودها، وخلافنا الحالي مع قياداتها فقط، لأنهم يجازفون برصيد هذه المؤسسة بإغراقها في مستنقع السياسة، وباستخدام العنف ضد المواطنين بأبشع ما رأته عيون التاريخ المصري.

وقبل أن أجيب على السؤال أحب أيضا أن أذكر بمقالتي التي كتبتها في جريدة اليوم السابع يوم الأحد 13 مايو 2012 بعنوان "تصويت العسكريين"، وكنت واحدا من قلة من الكتاب الذين رؤوا تصويت العسكريين حقا لا نزاع فيه، وقلت بالحرف الواحد : "أؤيد تصويت العسكريين لأسباب، أولها أن هذا حق لكل مواطن، ولا ينبغى أن نراوغ فى هذا الحق، أو أن نلتف عليه بأى شكل من الأشكال.

السبب الثاني لأنني أحسن الظن في إخواننا في المؤسستين (الجيش والشرطة)، وأجزم بأنهم لن يكونوا كتلة يتم توجيهها أو التحكم فيها من أي جهة، بل سيراعون ضمائرهم في التصويت، ولن يسمحوا لأي سلطان بالتدخل في إرادتهم أمام الصندوق.

السبب الثالث أنني أعلم أن هناك ألوفا من إخواننا في الجيش والشرطة لا تعجبهم الأوضاع، وبالتالي لا بد من منحهم حق التصويت لكي يساهموا فى عملية التغيير بشكل سلمي حضاري.

السبب الرابع أن تصويت هذه الفئة من المواطنين سوف تدخلهم فى الحياة الديمقراطية، مما يقطع الطريق على أي حاكم يستخدمهم فى تزوير الانتخابات لو أراد".

إذن كيف نجيب على السؤال الصعب، أعني لماذا لا يترشح العسكريون المصريون شأنهم شأن العسكريين في إسرائيل وسائر دول العالم؟

والجواب بعون الله :

أولا : من الناحية القانونية والدستورية والسياسية لا مانع من ترشح أي جنرال سابق، ومن يناقش ذلك يدافع عن قضية خاسرة، وحقيقة الأمر أننا لا نناقش حقهم في الترشح بقدر ما نناقش صواب ذلك سياسيا، وبقدر ما نناقش الحكمة في وجود العسكريين في غالبية مفاصل الدولة، هم وحدهم، هم دون غيرهم تقريبا.

ثانيا : إذا قارننا الجيش الإسرائيلي بالجيش المصري سنجد فروقا عدة، فدولة إسرائيل قائمة على تجنيد غالبية المواطنين، أي أن الغالبية العظمى ممن بلغوا الثامنة عشرة ستجدهم إما جنودا عاملين في الجيش، أو جنود احتياط، أو جنودا متقاعدين، وينطبق ذلك على الغني والفقير، وعلى الذكر والأنثى، وعلى الشرقي والغربي، لا فرق بين إسرائيلي وإسرائيلي.

لذلك من الطبيعي أن تكون نسبة العسكريين في كل شيء مرتفعة، وليس في مقاعد الحكم فقط، بل إن أي استثناء للعسكريين هناك معناه إقصاء غالبية المجتمع.

ثالثا : الجيش الإسرائيلي يمتلك بطولات "طازجة" على الدوام، ولديه أبطال عسكريون يتوالدون ويتكاثرون يوما بعد يوم، فطبقا للإحصائيات لقد خاض الجيش الإسرائيلي أكثر من ثلاثين عملية عسكرية كبيرة منذ حرب أكتوبر 1973 حتى اليوم، وهذه العمليات العسكرية أنتجت أبطالا في نظر المجتمع الإسرائيلي، وبالتالي حين ينزل هؤلاء الأبطال كمرشحين ينتخبهم الناس.

أما في مصر فنسبة العسكريين محدودة جدا، فهم أقل من واحد في الألف (حسب معلوماتنا القليلة)، ولكن تمثيلهم في سائر مفاصل وقيادات الدولة المصرية أضعاف أضعاف ذلك، وهذا أمر غير منطقي (بعكس إسرائيل كما وضحت).

كما أننا لم نخض حربا أو عملية عسكرية حقيقية منذ عام 1973 حتى اليوم، وبالتالي لا يعرف المصريون من القادة العسكريين سوى أبطال حرب أكتوبر، ولا نعلم عن الأجيال التي تلت ذلك شيئا.

أحب أن أؤكد هنا على الاحترام الكامل لكل أجيال العسكريين المصريين التي جاءت بعد جيل أكتوبر، ولكني أنا أتساءل كيف ينتخب الناس رجلا عسكريا لا يعلمون عن قدراته العسكرية شيئا؟ إذا كانت المقارنة مع إسرائيل فإن الإسرائيليين ينتخبون عسكريين قد حاربوا على مدار أربعين سنة عشرات المرات من أجل تأمين كيانهم، وكل من يتقدم منهم للانتخابات يسبقه تاريخه العسكري والحروب التي خاضها، وهذا وضع مختلف تماما عما نحن فيه.

رابعا : الجيش الإسرائيلي يملك إنجازات أخرى غير الحروب، فهو متفوق بأسلحة ردع عالية، وهو متفوق علميا بمنظومة صواريخ وأقمار صناعية وأسلحة خفيفة ... الخ، وهذه الأشياء تصنعها وتطورها مصانع الجيش الإسرائيلي، بل إن منظومة البحث العلمي في الجيش الإسرائيلي تتفوق على كل منظومات البحث العلمي في سائر الدول العربية، تتفوق عليها مجتمعة!

أما نحن فلا نعرف أي شيء عن تسليح الجيش المصري، سواء عن تصنيع السلاح المحلي، أو عن تعاقدات القوات المسلحة مع الخارج، وكل ذلك كان وما زال بدواعي الأمن القومي، لذلك لا يمكن مقارنة الوضع في إسرائيل بالوضع في مصر، نحن لا نعلم شيئا عن جيشنا، ومن يسأل عن أي شيء يتعلق بالقوات المسلحة يضع نفسه في سين وجيم، وقد يكون مصيره "الكلابشات".

نحن نعرف أن جيشنا يملك مصانع كثيرة تصنع أشياء لا علاقة لها بالعمل العسكري، ولا أظن هذه الأشياء تعتبر رصيدا للعسكرية المصرية عند الناخبين.

خامسا : لقد قلنا للإخوان المسلمين لا تستحوذوا على أغلبية برلمانية، ولا تطرحوا مرشحا رئاسيا، لأن في ذلك هدما للتوافق الذي تحتاجه مصر في مرحلة انتقالية وفي أجواء تحول ديمقراطي قلق، بل إن كثيرا من أصحاب الرأي يقولون للإخوان الآن لا تتحدثوا عن مطلب عودة مرسي، بل تحدثوا عن عودة المسار الديمقراطي، لأن عودة مرسي لن تحقق توافقا أبدا.

ومن نفس هذا المنطلق لا يمكن أن يكون ترشيح رجل عسكري (أو انتخابه) الآن عملا حكيما، ولا شك أن ترشيح السيد عبدالفتاح السيسي بالذات سوف يزيد من انقسام المجتمع، وسوف يصعب الوصول لحل سياسي على جميع الفرقاء.

إذا كان الإخوان قد استحوذوا على السلطة بالانتخاب (وهذا حقهم)، فإننا أمام مؤسسة تستحوذ على كافة مفاصل الدولة منذ عشرات السنين دون انتخاب، بل دون أي معيار واضح من معايير الكفاءة، ولا أحد يجرؤ على مناقشة أسباب تعيين الجنرالات المتقاعدين في كل مكان في مصر.

مصر بلد على وشك الانهيار بسبب صراع دنيء على السلطة، والمقارنات التي تجري الآن بين قادتنا العسكريين وبين ديجول وآيزنهاور ...الخ، وبين مصر وإسرئيل تدفعني مضطرا إلى تذكير الجميع بأن مصر ليست إسرائيل، وبأن المقارنات في غير محلها، وبأن ما يجري ليس أكثر من استعباط سياسي لا يقوم به إلا إعلام يحركه مجموعة من المخبرين.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية