انتخابات الرئاسة المصرية ليست موضوعا للكتابة !

2014-05-14

المقال منشور بموقع مصر العربية بتاريخ 14-5-2014 م

في ظل تكاثر الموضوعات التي ينبغي على الكاتب أن يعطيها نصيبا من مقالاته، يلحُّ عليَّ كثير من القراء لكي أبدي رأيي في المسرحية الجاري عرضها الآن تحت عنوان "انتخابات الرئاسة المصرية".

عشرات الرسائل من قراء محترمين يودونسماع رأيي في خيارات التصويت، وكيف يتعامل المواطن (الصالح) مع هذه الانتخابات.

والحقيقة المُرَّة أن أننا أمام سباق يعدو فيه حصان واحد (كما قال المثل، وكما تعودنا في قديم الزمان)، والكل يعرف من القادم، وبالتالي أمام المواطن عدة اختيارات : إما أن تعطي صوتك لأحد المُرَشَّحَيْن، وفي هذه الحالة سيربح مرشح الجيش.

وإما أن تبطل صوتك، وفي هذه الحالة سيربح مرشح الجيش أيضا.

وإما أن تقاطع العملية برمتها، وفي هذه الحالة سينجح مرشح الجيش كذلك ...!

سيعترض أحدهم ويقول لي إن السيد عبدالفتاح السيسي ليس مرشح الجيش، ولكن في هذه الحالة سأقول له كيف أصدقك وقد اشترط بنفسه أن يكون ترشحه للرئاسة بطلب من الشعب وبتفويض من الجيش؟وكان ذلك في يناير الماضي.

وحينها انعقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأصدر بيانه التاريخي في 27 يناير 2014 وقرر المجلس "أن للفريق أول عبدالفتاح السيسي أن يتصرف وفق ضميره الوطني ويتحمل مسؤولية الواجب الذى نودي إليه، وخاصة أن الحكم فيه هو صوت جماهير الشعب فيصناديق الاقتراع، وأن المجلس في كل الأحوال يعتبر أن الإرادة العليا لجماهير الشعب هي الأمر المطاع والواجب النفاذ في كل الظروف".

وفى نهاية الاجتماع تقدم الفريق أول عبدالفتاح السيسي بالشكر والتقدير للمجلس الأعلى وللقوات المسلحة وقيادتها وضباطها وجنودها، إذ إنها قدرت الظروف العامة وتركت له حقه في الاستجابة لنداء الواجب وضرورات الوطن.

هل لذلك معنى آخر سوى الدعم الكامل من القوات المسلحة لترشحه؟ما معنى أن توضع صور السيسي على دبابات الجيش لشهور وشهور أصلا؟هل من المنطق أن نتحدث عن تكافؤ في الفرص بعد أن أصدر الجيش هذا البيان؟

جميع الطرق تؤدي إلى مرشح الجيش، ولكن طريق المقاطعة يعطي لفوز الرجل نكهة استبدادية، فالفوز بالتسعات المتكررة (كما حدث في استفتاء الدستور المزعوم) لا يؤدي سوى لإثبات حالة الاستبداد، وليس لتثبيت مفهوم الديمقراطية الزائفة.

وليس من صالح التجربة الديمقراطية أن يكون شكل الانتخابات التي تجري تحت تهديد السلاح شبيها بالانتخابات التي جرت بمشاركة شعبية جارفة في 2012.

المقاطعة هي الحل الأمثل الذي سيفضح حجم الإقبال الجماهيري على "المسرحية"، وسيضع السيناريو كله في مهب الريح بعد عدة شهور.

لذلك قامت حركات عدة تدعو الناس لمقاطعة التصويت على هذه الانتخابات المسرحية، من أهمها حركة "مقاطعة"، تلك الحركة التي جمعت حتى الآن آلاف التوقيعات على ورقة تؤكد معاني هزلية الانتخابات، وعدم الاستسلام لحقارة الأمر الواقع.

الذين يريدون التصويت لمنافس مرشح الجيش لهم كل الاحترام، ولكن ضريبة الدخول في خريطة طريق ملوثة بدماء ضحايا المجازر التي لا مثيل لها في تاريخنا أكبر من أن يتحملها أي شخص ما زال يحتفظ ببقايا ضمير.

وخسائر الأمة المصرية بقبول خريطة الطريق التي كتبت بالدم أكبر من أن تغسلها نتائج هذه الانتخابات أيا كانت تلك النتائج.

أي انتخابات تلك التي يمكن أن ندعو الناس للمشاركة فيها في وطن يحبس فيه عشرات الآلاف بلا تهم، وتنتهك فيه الأعراض في أقسام الشرطة، ويقتل فيه طلبة الجامعات داخل مدرجاتهم؟

هذه الأجواء لا يمكن أن يجرى فيها انتخابات، ولا يمكن أن تستمر فيها حياة قويمة أصلا !

أما تحليل خطاب مرشح الجيش ونواياه، وعيوب برنامجه، فهذا تضييع وقت لا طائل من ورائه، فالمدرعات لا تكتب برامج انتخابية، والدبابات لا تصنع الخبز، والكرابيج لا تخلق التوافق.

تريد أن تتابع لقاءاته المتلفزة؟

تابعها، وشاهد كيف يحتقر الإعلاميين الذين اختارهم بنفسه لإجراء الحوارات، وتأكد أن كل ذلك تفاصيل صغيرة في مشهد عبثي كبير لا ينبغي أن نأخذه مأخذ الجد، وأنا لن أجهد نفسي في التعليق على مثل هذه الأمور، لأن المعركة الحقيقية هي إسقاط الانقلاب وليست إظهار عيوب المنتَج الانقلابي.

وردني سؤال مضحك يقول أيضا : ماذا لو سقط مرشح الجيشوفاز المرشح الآخر؟

والجواب : لا فرق، وتأكد أنه سيقوم بكل ما يمكنه لأداء نفس دور مرشح الجيش في سيناريو المسرحية، ولكن تأكد أن من يدير المشهد الحالي لا يملك مخرجا ولا كاتب سيناريو بهذه البراعة، بحيث يقدم للمشاهدين كل هذا "الأكشن" !

تأكد أيضا أن من أهم أسباب الانقلاب أن لا يأتي رئيس مدني (حتى لو كان خاضعا للجيش) إلى سدة الحكم مرة أخرى، وبالتالي فرص المرشح الآخر غير موجودة أساسا.

بقي سؤال أخير وردني من بعض حسني النوايا، وخلاصته : هل يوجداحتمال في أن ينجح مرشح الجيش السيسيفي تحقيق الرخاء لمصر بعد أن يفوز بالرئاسة؟

إجابة هذا السؤال : "سينجح في الفشل بطريقة مذهلة، وفي وقت قياسي"!

انتخابات الرئاسة ليست موضوعا للكتابة في نظري، وواجب اللحظة هو التجهيز لما بعد السيسي، لأن السقوط سيكون مدويا، وقريبا.

لا تكرروا يا أولي النهى أخطاء الماضي القريب، وجهزوا أنفسكم للحظة قريبة قد يحدث فيها فراغ ينتظر من يملأه، ولحظة الحادي عشر من فبراير 2011 لا ينبغي أن تتكرر مع جيل واحد مرتين.

كيف نجهز لهذه اللحظة؟

سنتحدث في ذلك قريبا بعون الله.

مصر للمصريين وبالمصريين ...

 

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية