صناعة الطاغية .. في ذكرى ميلاد صدام

2014-04-28

المقال منشور بموقع العربي الجديد بتاريخ 28-4-2014 م

اليوم ذكرى ميلاد صدام حسين.
قبل أن أتحدث عن صناعة الطاغية، أحكي لك، عزيزي القارئ، قصة هذا الرجل في عجالة، وأتمنى على من يحبونه أن يصبروا إلى نهاية المقالة، قبل أن يطلقوا مدفعيتهم الثقيلة على الكاتب.
ولد صدام حسين عبد المجيد التكريتي في قرية العوجة (175 كلم شمال بغداد) لعائلة سنية متواضعة، في 28 أبريل/نيسان عام 1937. انضم لحزب البعث العربي الاشتراكي في 1957، أي أنه كان شاباً في العشرين. وفي عام 1959، اشترك في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، وهو أول رئيس وزراء بعد إطاحة النظام الملكي في 1958، وحُكِمَ على صدام بالإعدام غيابياً، وفر إلى مصر.
عاد إلى العراق، وحدثت أحداث كثيرة جداً، كانت نهايتها انقلاباً عسكرياً شارك فيه صدام حسين، إلى جوار اللواء أحمد حسن البكر الذي أصبح رئيساً للجمهورية، وأصبح صدام نائباً له من 1975 وحتى 16 تموز/يوليو 1979، عندما أزاح البكر، وقيل حينها إن الأخير استقال لأسباب صحية، وأصبح صدام كل شيء في العراق، رئيس الدولة، ورئيس الوزراء، والأمين العام القُطْري لحزب البعث، ورئيس مجلس قيادة الثورة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة. 
طبعاً، قام صدام بتسمية انقلابه ثورة مجيدة، ثم بدأ بقتل أعداء الثورة، رفاقه من بعض قيادات حزب البعث، وكانت حملة عمياء، بدأ بالبعثيين، ثم استمر في القتل، حتى طال سيفه رقاب الجميع، كل من يشتبه في أنه معارض لصدام مصيره القتل، بل تعمد قتل الأبرياء بالشبهة، لكي يرتعب الجميع. وكان نتيجة ذلك أن بدأ المثقفون أنفسهم دعوة الناس إلى تأييد صدام، حفاظاً على الدولة، والحقيقة أنهم كانوا مرعوبين من سيفه، أو منتفعين بذهبه.
وبدأ الرجل ببناء صنمه، فمنح نفسه أعلى رتبة في الجيش، رتبة المهيب (تعادل المشير عندنا، وهو شخص لا تاريخ له في العسكرية. وفي عام 1980، اعتدى على إيران، فاندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وأسفرت عن مقتل مئات آلاف العراقيين والإيرانيين. وبعد انتهاء الحرب بشكل مخزٍ (كان النزاع على شط العرب، ثم تنازل عنه صدام للإيرانيين)، بدأ صدام حملة الأنفال، فقصف قرى الأكراد العراقيين بالأسلحة الكيماوية، في 1988. وفي الثاني من أغسطس/آب 1990، فاجأ صدام العالم، وغزا الكويت غزواً عسكرياً، واحتلها.
نتيجة لذلك، تشكلت قوات تحالف بقرار من مجلس الأمن، بقيادة الولايات المتحدة، وبدأت حرب في يناير/كانون الثاني 1991، وأخرج الجيش العراقي من الكويت، ولكن، قصفت قوات التحالف العراق كلها، ودُكَّت البنية الأساسية لهذا البلد الغني، حتى عاد قرناً إلى الوراء. بعدها تم حصار العراق اقتصادياً وسياسياً حتى عام 2003. 
في عام 1995 جددت الجماهير البيعة للرئيس صدام حسين، سبع سنوات أخر (بنسبة 99.99 %)، وفي عام 2002 تم تجديد البيعة مرة أخرى، بالطريقة نفسها تقريباً (هذه المرة فاز بنسبة 100%، وبنسبة مشاركة 100% من الناخبين)!
وفي أبريل/نيسان من عام 2003، احتلت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية العراق، وسقط نظام صدام حسين وحزب البعث، واعتقل صدام مختبئاً في حفرة في مسقط رأسه تكريت، في ديسمبر/كانون الأول 2003، وتمت محاكمته. وفي ديسمبر2005 نفذ حكم الإعدام في صدام حسين بشكل مهين (صبيحة أول أيام عيد الأضحى، ما أعطى إيحاء ما بأنه أضحية يضحى بها في يوم عيد)، وتم تصوير المشهد، وكان صدام فيه صامداً، شجاعاً، جهر بالشهادتين، ورفض أن يغطى وجهه.
هذه قصة صدام حسين باختصار شديد.
كيف نصنع الطغاة؟
بأن ننسى كتاب التاريخ، ونمارس الممارسات نفسها، من دون اتعاظ بالماضي القريب، أو البعيد.
من الذي صنع صدام حسين؟ 

إنها مليارات دول الخليج، ودعمها السياسي بلا تحفظ، مع سكوت باقي الدول العربية حيناً، وتأييدها حيناً آخر، بالإضافة إلى توظيف القوى الإمبريالية غرور الطاغية، من أجل مصالحها الإقليمية. دول الخليج العربي دعمت صدام في حربه على إيران بمليارات الدولارات. ساندوا هذا الطاغية الذي يقتل شعبه، بسبب خوفٍ مزعوم من مد شيعي، أو خطر تصدير الثورة الإيرانية. هل تعرف، عزيزي القارئ، ماذا فعلت دول الخليج لدعم صدام؟
تعال نتذكر قليلاً. حصل هذا الطاغية على منح حكوميةٍ لا تسترد، وقروض ميسرة أو تجارية، وحصل على مساعدات لوجستية لبيع النفط العراقي في الخارج، واستخدام الموانئ الخليجية لإيصال البضائع، بجميع أنواعها، إلى العراق.
حين بدأت الحرب العراقية الإيرانية استنفدت الحرب في شهورها التسعة الأولى سائر الاحتياطي النقدي العراقي، والذي يقدر بـ 17 مليار دولار (رقم كبير جداً بمقاييس ذلك العصر). بعدها، بدأ الدعم الخليجي للعراق، خصوصاً بعدما احتلت القوات الإيرانية جزر الفاو القريبة من الكويت عام 1981. وحين واجه صدام مصاعب في تصدير النفط، في أثناء حربه مع إيران، قامت دول الخليج ببيع هذا النفط، نيابة عن العراق، في السوق الدولي، وأرسلت له الإيرادات المالية. وقدمت دول، مثل الكويت والسعودية والأردن، دعماً لوجستياً للعراق، بالسماح بمرور المعدات والأسلحة، عبر موانئها نحو الأراضي العراقية. وكانت الكويت أكبر داعم للعراق، فكانت حدودها مفتوحة للعراقيين، تعبر خلالها حوالى ألف شاحنة يومياً.
وقف الخليجيون مع صدام، إلى درجة أنهم عرضوا على إيران دفع تعويضات (حوالى 25 مليار دولار) لإنهاء الحرب، وكان ذلك في عام 1981، لكن الإيرانيين رفضوا، وطالبوا بضعف هذا المبلغ. ويقدر خبراء تمويل دول الخليج العراق، في حربه مع إيران، بأكثر من 50 مليار دولار، والحقيقة أن المبلغ أضعاف ذلك، مع ملاحظة أننا نتحدث بلغة الثمانينيات، أي أن هذه المبالغ مضروبة في مائة بلغة عصرنا. وقد ظنت دول الخليج أنها تحمي نفسها، وأنها تستثمر هذه المليارات في أمنها وسلامتها، ولم يدرك قادتها أنهم يربون وحشاً كاسراً، سوف يذيقهم الويل، وأنهم يجنون على أنفسهم بأنفسهم.
فعلوا كل شيء لدعم صدام، ثم ماذا كانت النتيجة؟
أذاقهم هذا الجنرال المزيف الانقلابي الويل، وأثخن فيهم، ودخل جيشه الكويت، واحتلها، فقتل، واغتصب، وسرق، وأذل، ولم يرحم صغيراً ولا كبيراً. وبعدما فعل ذلك كله، لم يتعظوا، بل استمروا في دعمه خوفاً من الشيعة! وفي عام 1991، بعدما خسر صدام جُلَّ جيشه في الكويت، انتفض أهل الجنوب وثاروا، وكان حظر الطيران مفروضاً على العراق في ذلك الوقت. ثم شفعت دول الخليج لعدوها اللدود عند أمريكا، لكي تطير هليكوبترات صدام من أجل الهدف النبيل، وهو ... قمع الانتفاضة العراقية (يسمونها انتفاضة الشيعة، وأسميها الانتفاضة العراقية).
كان العراق قوياً أمام الاحتلال الانجليزي في ثورة العشرين، ووقف الجميع عرباً وأكراداً، سنّة وشيعة، أمام كل ما ومن يهدد الوطن، ولكن، حين ذاق العراق تجارب الانقلابات العسكرية المتوالية، بدعم مليارات الجيران، ها هو العراق مفتت، خاضع لكل الأجندات، لا دولة فيه، ولا رحمة لديه من قريب أو بعيد. 
جعل صدام من ذاته صنماً يعبد من دون الله، واخترع مراسم وطقوساً لخلق هيبته، وتمددت هيبته تلك بالمال والإعلام إلى الوطن العربي كله. وكان الشعراء يتوافدون إلى مهرجان المربد الشعري كل عام، فيمدحه بعضهم بما ليس فيه، ليهبهم ما ليس من حقه.
في نهاية حكمه، أصبحت أرقام الضحايا مفزعة، ولا أحد يستطيع أن يعرف، على وجه الدقة، كم إنساناً قتل بسببه؟ ولا كم عراقياً قتل من أجل ملكه؟
خلاصة الأرقام، ضحاياه تقترب من مليوني إنسان. ضحايا عنف النظام: حوالى 800 ألف إنسان. ضحايا الحرب العراقية الإيرانية: بعد بحث واستقصاء ومقارنات بين المراجع، نصف مليون على الأقل، (من الطرفين). ضحايا الحصار الاقتصادي: "يونيسيف" تتحدث عن نصف مليون طفل. ضحايا الأكراد: مائة ألف إنسان على الأقل، وبعضهم يصل بالرقم إلى ربع مليون. ضحايا انتفاضة 1991: أرقام متفاوتة، تقديرات تصل بها إلى ربع مليون، وأخرى تتحدث عن مائة ألف. ألف قتيل كويتي في غزو الكويت.
ممارسات القمع كانت لا نهاية لها، كان منها قطع الألسنة، وهذا مصور بالفيديو، طابور من العراقيين تقطع ألسنتهم أمام الكاميرا واحداً واحداً، لأنهم تطاولوا على الذات الصدامية، وهذا موجود على "يوتيوب". 

خلاصة تجربة صدام حسين لكل من يعقل:
كل من يدعم انقلاباً اليوم سيحترق بناره غداً، ينطبق ذلك على الدول والجماعات والأفراد، وكل من يظن أنه في مأمن من جنون عظمة مثل هذا النوع من الرجال واهم، وتمويل الانقلابات العسكرية، اليوم، أصبح استثماراً خاسراُ (إذا افترضنا انه كان استثماراً رابحاً يوماً ما)، لأن الشعوب تغيرت، ولأن هناك جيلاً جديداً لن يقبل إلا بحرية كاملة.
صدام حسين تجربة استبداد، تسببت في جلب الاستعمار، وتفتيت الوحدة الوطنية، وإهدار الثروات البشرية، وتبديد الثروات الوطنية، والقضاء على المنتج الثقافي للأمة. بدأ قصته بمدائح الشعراء العرب، كتبت فيه سعاد الصباح، الشاعرة الكويتية التي تنتمي إلى الأسرة الحاكمة، "ﻗﺼﻴﺪﺓ ﺣﺐّ ﺇﻟﻰ ﺳﻴﻒ ﻋﺮﺍﻗﻲ"، وهذا عنوان القصيدة. قصة صدام حسين تبدأ من قول الشاعرة الصباح:
"ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳﻤﻮﺕ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻲ ﺣﺘﻰ ﻳﺆﺩﻱ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ" 
وانتهت بقول عبد الرحمن الأبنودي: 
"بيتي وبيقول بيته"
كلمة أخيرة: أعلم أن كثيرين يحبون صدام، بل هناك من يظن أنه ما زال على قيد الحياة. ولهؤلاء أقول: أنتم أحرار، وأنا لا أحكم على الرجل بالجنة أو النار، ومشهد إعدامه بطولي، ولكنه، في مذهبي، لا يغفر القمع والقتل، هو في نظري طاغية، ولا يمكن أن أصف أول رئيس في تاريخ البشرية يقصف شعبه بالكيماوي سوى بالطاغية، ولا يمكن أن يتحدث شخص عاقل عن شخصٍ، تسبب في كل هذا القتل، إلا بمنطق الطغيان.
أتمنى أن نتعظ جميعاً، أفراداً وجماعات، شعوباً وحكومات، من هذه القصة الدامية التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم، خصوصاً أنها تبدو قصة قابلة للتكرار.