أسئلة للدكتور ياسر برهامي

2014-04-26

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 26-4-2014 م

فاجأنا الدكتور ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر بفتوى غريبة يفتي فيها بجواز ترك الزوج لزوجته للاغتصاب، إذا تيقن من قتله، حال دافع عنها.

أنا لا أحب الظلم، لذلك انتظرت حتى صدر توضيح من الدكتور ياسر برهامي، كانت خلاصته أنه اتهم معارضيه من التيار الإسلامي والليبرالي بتعمد اقتطاع أجزاء من كلامه في فتواه الخاصة بترك الزوج لزوجته للاغتصاب حفاظًا على حياته. 

وأضاف برهامي، أن الشاهد في الفتوى هو تقديم حفظ النفس على حفظ العرض، وهو التدرج المعروف في الإسلام، حفظ الدين ثم النفس ثم العرض.

والحقيقة أنني حين قرأت الفتوى تذكرت ما تعلمناه في صغرنا حين درسنا علوم الشريعة، تذكرت ما يسمى بالفقة الافتراضي، وكيف أن بعض الفقهاء في أزمنة الترف كانوا يفترضون افتراضات مستحيلة الحدوث، ثم يبدأون بالإجابة على هذه الافتراضات.

كان هؤلاء يبدأون أسألتهم بقول "أرأيت إن حدث كذا ... فهل يجوز كذا؟" لذلك سماهم أهل العلم (الأرأيتيين)، نسبة إلى (أرأيت إن) !

قد يظن القارئ أن هؤلاء الأرأيتيين كانوا يؤدون عملا جيدا، فهم يتوقعون البلاء قبل وقوعه، ولكن الحقيقة عكس ذلك، لقد كانوا يمارسون رياضة ذهنية عقيمة، فترى افتراضاتهم لا تقدم ولا تؤخر، يقول أحدهم "أرأيت إن حمل رجل كيسا من الفساء على ظهره، ثم خرج الفساء من الكيس ... هل ينتقض الوضوء؟".

كان هولاء الأرأيتيون ينتمون لمدرسة الرأي، بعكس السيد برهامي الذي ينتمي –حسب علمي– لمدرسة الحديث، لذلك أنا أستغرب أصلا من صدور الفتوى، فمجرد الافتراض الذي يفترضه يخالف مدرسة أهل الحديث التي ينتمي إليها، والتي تذم مدرسة أهل الرأي والأرأيتيين، فحين سأل أحدهم أحد أئمة السلف عن مسألة من هذا النوع أجابه قائلا : "ويحك أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: فلِمَ تسألني عمَّا لم يقع؟".

كما أن افتراض الحالة التي صدرت عليها الفتوى توحي بأن هناك قوة ما في مجتمعنا المصري تغتصب النساء أمام أزواجهن، والسيد برهامي حين بلغته هذه الحوادث أفتى بأن يترك الزوج زوجته للاغتصاب لأنه لا قبل له بمواجهة هذه "القوة الباطشة".

ما حدث قد حدث، وأنا بدوري أحمل عدة أسئلة للدكتور ياسر برهامي أتمنى أن يرد عليها بعلمه الواسع في الفقه، وبإلمامه الكبير بمقاصد الشريعة.

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

أرأيت إن قامت في دولة ما في عصر ما قوة باطشة باعتقال النساء، وتعذيبهن في السجون أمام أزواجهن، وقامت هذه السلطة الباطشة (التي افترضت أنت وجودها في فتواك) بهتك أعراض النساء أمام أزواجهن وإخوانهن وآبائهن ... فهل يجوز للزوج أو الأخ أو الأب إذا استطاع أن يقتص من هؤلاء بنفسه أن يقتص؟ وهل يجوز له أن يبكي على إذلاله؟ أم أن ذلك يعتبر تشبها بالنساء؟

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

أرأيت لو حملت هذه المرأة من هذا الاغتصاب ... هل يجوز التخلص من الجنين؟ ما حكم الجنين الناتج عن اغتصاب امرأة حرة، أو فتاة بكر من قبل قوة باطشة لا يستطيع أحد لها دفعا؟ وهل يأثم أهل البنت التي اغتصبت إذا أسقطوا هذا الجنين الذي حملت به في المعتقل أو في أي مكان من قبل هذه القوة الباطشة؟

كلها افتراضات ... لا أساس لها من الواقع يا دكتور، لقد بنيتها على ما بنيت عليه افتراضك الأصلي..!

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

أرأيت إن اغتصبت تلك القوة الغاشمة زوجة رجل ما فمات من فوره ولم يتمكن من مشاهدة ما حدث من هتك عرض امرأته ... أيعتبر منتحرا؟ وهل تعتبر تلك الجلطة الدماغية التي أصابته من عدم الرضا بالقضاء والقدر؟ أيحاسبه الله حساب المؤمنين أم حساب الكافرين؟

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

أرأيت إن صادف عالم شيخ جليل أحد هؤلاء الذين يغتصبون النساء، أو يأمرون باغتصاب النساء فبايعه على السمع والطاعة، وقال عنه إنه مرشح إسلامي ... فهل يعتبر هذا الشيخ شريكا في الإثم؟ هل يعتبر ديوثا؟ هل يجب عليه أن يتحقق من أن هذا الرجل لا علاقة له بتلك الممارسات قبل أن يبايع؟

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

أرأيت إن قام بعض المظلومين الذين طالهم بطش تلك القوة الغاشمة التي افترضت حضرتك أنها تغتصب النساء وتقتل الرجال إذا دافعوا عن أعراضهم ... أقول إرأيت إن قام بعض المظلومين بتدشين حملة على مواقع التواصل الاجتماعي ضد هؤلاء وفيها لفظ بذيء لا سمح الله ... هل يأثمون بذلك؟ أم يدخل ذلك تحت قوله تعالى: "‏لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ"؟ أم يجب عليهم الصبر والتعفف عن السب برغم اغتصاب نسائهم؟

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

أرأيت إن زادت هذه القوة الباطشة من ظلمها، واغتصبت عشرات النساء، ثم تمادت فاغتصبت الرجال، فهل مقاومتهم تجعل المرء من الخوارج؟

أرأيت إن وقف بعض المشايخ مع هذه القوة الباطشة بحجة الحفاظ على الدولة أيعتبر الواحد منهم شاهد زور؟ أيدخله ذلك في قوله تعالى "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ*َ لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا"؟

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

أرأيت أن التقى رجل بأحد هؤلاء المشايخ في الطريق فبصق في وجهه ... أيعتبر ذلك من الجهاد في سبيل الله؟ أيعتبر ذلك كلمة حق عند السلطان الجائر؟ أو كلمة حق عند أحد أعوان السلطان الجائر؟ أو كلمة حق عند مخبر من مخبري السلطان الجائر وأجهزته الأمنية؟

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

لست أدري لماذا أصدرت فتواك، ولكنها فتوى تدل على أحد أمرين:

الأول: أن اغتصاب النساء من قوة لا يستطيع لها الرجل دفعا يحدث كثيرا في المجتمع المصري، ولذلك صدرت فتواك تحقيقا للمناط.
الثاني: أنك قد خالفت منهجك، منهج أهل الحديث، الذي يتعالى عن منهج الأرأيتيين التافهين، وأنك صرت شخصا آخر، أو أننا نشاهد فيك شيئا لم نكن نراه من قبل.

الأخ الكريم الدكتور ياسر برهامي ...

على كل حال أرجو أن تجيب السائل، وجزاك الله ما تستحقه.

للتعليق على المقال على موقع عربي 21