لن أترحم على الملكية ...!

2014-03-19

المقال منشور بموقع مصر العربية 19-3-2014 م

النظام الملكي حكم مصر قرنا ونصف، وكان حكمه أرحم بالناس ألف مرة من أنظمة الانقلابات العسكرية التي أتت بعد ذلك، وبعضنا اليوم يترحم على الملك فاروق، بل إن البعض يبالغ ويضع بعض صور وأخبار أبنائه، ويتخيل من منهم في موقع "أفندينا" لو أن حكم الأسرة العلوية قد استمر.
 
في ضاحية مصر الجديدة كنت أتمشى، أشاهد روعة ما شُيِّدَ خلال حكم الملكية، أنظر إلى قصر السلطان حسين ومسجده (على ش صلاح سالم الآن)، السلطان حسين ابن الخديوي إسماعيل، حكم مصر ثلاث سنوات من نوفمبر 1914 إلى أن توفي في أكتوبر 1917، كان سلطان مصر، وملك السودان، صورته بشاربه المميز، شارب "يقف عليه الصقر" كما يقولون،بعهدهخرجت مصر من الحكم العثماني، وأصبحت تحت الحماية الإنجليزية.
 
قصره تحول إلى مدرسة، والمسجد (ما زال اسمه مسجد السلطان حسين) ما زالت تقام فيه الشعائر.
 
أحب ضاحية مصر الجديدة، أتمشى وأتأمل القصور والفيلل المحيطة بقصر السلطان، لقد كانت هذه الفيلل سكنا للمقربين من السلطان فقط، وقد أصبح اسم هذه المنطقة مع الوقت (الكربة)، وهي من كلمة (القربى)، أي قربى السلطان، أي المقربين من السطان، وما زال اسمها (الكربة) حتى اليوم.
 
صديقي عمرو كان أحد سكان الفيلل الرائعة بجوار منطقة الكربة، وكانت الفيلا تحفة معمارية، وكان يحكي لي كيف جلس على الرصيف مرات ومرات،يبكيوهو يشاهد عملية هدم جديدة لإحدى فيلات المنطقة، وكان كل ذلك في عهد الرئيس المخلوع مبارك، وفي عهد امرأته التي كانت تدعي أنها تحافظ على حي مصر الجديد، وتنميحي مصر الجديدة، وإلى آخر هذا الكلام الذي تقوله الصحف وتكذبه الجرافات !
 
يحكي لي عمرو عن بكائه وهو يرى ملاعب الطفولة تسحقها البلدوزرات، وكيف كان يرى أشجار المانجو التي أكل منها هو وأصدقاؤه تقتلع لكي يزرع مكانها أعمدة خرسانية لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، عمارات لا تسمح لضوء الشمس بالمرور، ويسكنها طبقة جديدة من المصريين، باشاوات جدد لا علاقة لهم بأخلاق الباشاوات القدامى، إنهم خلاصة الكبر والجهل، مع ثروات لا يعرف أحد كيف بدأت، ولا كيف ستنتهي.
 
يبكي عمرو على مصير فيلته التي أصبحت ميراثا له ولإخوته، وهو يعرف جيدا أن إخوته يريدون أن  يبيعوا هذه الفيلا، وهي مبنى عريق عريق، ولكن ضرورات الحياة ستجعل مصير هذه الفيلا الهدم لا محالة.
 
عقد تمليك هذه الفيلا عبارة عن "تحفة" مكتوبة بخط اليد، وعليه توقيع البارون "إمبان"، رجل الأعمال البلجيكي الذي أنشأ ضاحية مصر الجديدة، وبنى "قصر البارون" ليكون مسكنه، ومد خط المترو لكي يصل للضاحية من يريد أن يسكن فيها.
 
فيلا أسرة عمرو كانت ملكا لزينب هانم لملوم، وعائلة لملوم عائلة مصرية عريقة،وهي العائلة لتي صاهرت الملك إدريس السنوسي، ملك ليبيا.
 
في ليبيا قام انقلاب عسكري في عام 1969، وقال الليبيون للملك السنوسي في تظاهراتهم في الشوارع "حكم إبليس ولا حكم إدريس"، آه وآه ... إبليس ولا إدريس !
 
ورد عليهم الملك بحكمة وهدوء :"سيعطيكم الله إبليس"، وقد كان...!
 
هل يفكر أحد في ليبيا اليوم في إعادة الحكم الملكي تحت راية الأسرة السنوسية؟
 
هل يفكر أحد في مصر اليوم في إعادة الحكم الملكي تحت راية الأسرة العلوية؟
 
لا أستطيع أن أنفي ذلك نفيا تاما، فربما يكون هناك بعض الناس الذين يلعنون الحكم الجمهوري الذي لم نر من بعده إلا الخراب لدرجة أنهم قد يؤيدون عودة الملكية، ولكني أزعم أن الغالبية الساحقة من المصريين لا ترى في الحكم الملكي خلاصا لها، وأنه لا يوجد كتلة لها وزن مؤثر تريد عودة الحكم الملكي.
 
صحيح أن كثيرا من المصريين يترحمون على الملك فاروق، (رحمه الله ألف مرة)، ولكن لا بد أن نلاحظ أن المصريين بفضل الحكم العسكري أصبحوا يترحمون على هولاكو ونيرون والحجاج، فكل هؤلاء الطغاة طيبون جدا، ولهم أنجاز ما في حكمهم إذا ما قارناهم بالحاصلين على خمسين في المائة الذين لم ينجزوا للشعوب عشر معشار ما أنجزوه لأهلهم وعشيرتهم من لابسي الكابات المتحلين بالنياشين !
 
المصريون يترحمون على الملك، ولكنهم لا يترحمون على الملكية، يترحمون على شخص الملك، ولا يترحمون على الملكية كنظام حكم، ولو عاد التاريخ ألف مرة فتأكد أن المصريين سيختارون النظام الجمهوري، وما حدث عام 1952 كان مطلبا جماهيريا بتغيير نظام الحكم الملكي إلى نظام من الناس وبالناس، ولكن للأسف ... لم يكن ما حدث في 1952 إلا انقلابا عسكريا، وتأكد ذلك بانقلاب عسكري آخر في عام 1954 .
 
لقد رأى المصريون الويل تحت الحكم الجمهوري (لأنه لم يطبق الديمقراطية)، ورغم ذلك أزعم أن الغالبية الساحقة من أجيال المصريين المتعاقبة منذ عام 1952 إلى اليوم ليسوا نادمين على إسقاط الحكم الملكي، وإقامة حكم جمهوري، وكذلك أزعم أن غالبية الليبيين ليسوا بنادمين على إسقاط الملك الطيب إدريس السنوسي وإقامة حكم جمهوري.
 
لذلك أقول إن محاولة إسقاط الحكم العسكري المصري في ثورة الخامس والعشرين من يناير كانت ضرورة وطنية مثل إسقاط الحكم الملكي تماما في 1952، وسوف تستمر الثورة المظفرة حتى تقام دولة مدنية تمكن المصريين من بناء دولتهم، ومن انتخاب حكامهم وتقويمهم بالطرق السلمية، ومن الظفر بمكانتهم بين الأمم المتقدمة.
 
يريدوننا أن نندم على أعظم عمل قام به الشعب في تاريخه الحديث، بعد أن خدعوا الناس عشرات السنين، وبعد أن منوهم بالخير والرغد، فما ازدادت الخيرات إلا في كروشهم وقصورهم، وازداد الناس ضنكا فوق ضنك، وفقرا فوق فقر.
 
والله لا نندم أبدا على أننا صدَّقنا أنفسنا، وصَدَقْنا الناس، وقلنا لهم كلمة الحق التي قالها سائر المصلحين والمفكرين والدعاة والأنبياء والرسل .. أن ثوروا لكرامتكم وأعراضكم ودمائكم.
 
عزيزي الثائر ... إياك أن تندم، لقد قمت بأَجَلِّ عمل في التاريخ الحديث لهذا البلد العظيم، ونهاية ما بدأناه في الخامس والعشرين من يناير 2011 انفتاح ديمقراطي كامل، وانتصار شامل للحريات، ولكننا نستعجل !
 
عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية