الإصلاح من الداخل

2014-03-15

المقال منشور في موقع عربي 21 

قبل ثورة يناير العظيمة كان بعض أصحاب النوايا الطيبة ممن يحسبون من المعارضين لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك يقولون لي "أنت تحرث في البحر، ولن يفيد شعرك ولا جهدك في المعارضة في تغيير هذا الواقع أبدا".

كنت أكمل النقاش معهم أحيانا لأحاول فهم هؤلاء الذين يحسنون الظن في نظام عسكري بوليسي غارق في الاستبداد منذ أكثر من نصف قرن.

كنت أسأل "وما الحل إذن؟"
كانوا يقولون "الحل هو الإصلاح من الداخل"!
"وكيف يكون الإصلاح من الداخل؟"
جواب هذا السؤال بطريقتين:
طريقة محترمة، وطريقة "وسخة"!

الطريقة المحترمة تقول: أن ندخل داخل أجهزة الدولة دون تغيير لمبادئنا وأفكارنا، ومن الداخل نؤثر في مجريات الأحداث، ونكسب مساحات لصالح أفكارنا التقدمية أو الإسلامية (حسب أفكار المتحدث)، وبالتدريج تتغير الدولة.

هؤلاء كانوا يترشحون في انتخابات البرلمان، برغم التزوير الفج لسائر الانتخابات منذ عام 1952 وحتى 2010، وأوضح مثال هم الإخوان المسلمون طبعا، وبعض المستقلين من سائر الاتجاهات.
وبعضهم كان يكتفي بالتنظير في التلفزيونات وعبر الصحف دون أن يشتبك اشتباكا مباشرا، وهؤلاء كانوا أساتذة في الجامعة، أو باحثين مستقلين، أو صحفيين، وأحيانا شخصيات عامة من سائر التخصصات، وبإمكانك أن تضع هنا مئات الأسماء نعرفها جميعا.

هؤلاء مع الوقت أصبحوا جزءا من نظام مبارك، فهم برغم معارضتهم كانوا يلتزمون بسائر الخطوط الحمراء التي وضعتها أجهزة أمن مبارك، وإذا قلت هذا الكلام لأحدهم ستجد الإجابة جاهزة "أنا لا أريد أن أخسر مكاني، وتركي لموقعي معناه خسارة صوت معارض"، وكلام من هذا النوع.

جيل ثورة يناير لم يقبل هذه المعادلة، لأنه ببساطة، كفر بفكرة التغيير من الداخل، وكفر بفكرة التغيير بالتدريج، وكفر بالجيل الذي قرر اتباع هذا الأسلوب العقيم لمدة ستة عقود دون أن تغيير (اللهم إلا التغيير إلى الأسوأ)، كما أنه قد كفر بسائر النخب التي جربت ذلك، واتعظت بما حدث لهم، ولم يقبل جيل يناير سوى أن يكسر هذا الاحتكار، وأن يغير قواعد اللعبة التي تحول هؤلاء (المصلحين من الداخل) إلى مجموعة خدم للنظام الذي يظنون أنهم يقاومونه.

الطريقة الثانية (الوسخة)، هي أن تدخل مع أهل الحكم وتلعب معهم بنفس وساخاتهم، وفي اللحظة المناسبة تكشف عن تحيزاتك!
ومناقشة هذه الفكرة في حد ذاتها وساخة!!!

خلاصة الأمر أن كلا الفريقين من المصلحين من الداخل ينطبق عليهم قول المولى سبحانه وتعالى "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا".

لماذا أتحدث عن المصلحين من الداخل اليوم؟
لسبب بسيط، هو أن هذه النظرية تحطمت في يوم الخامس والعشرين من يناير 2011، وثبت أن التغيير الناجع هو التغيير السلمي من خارج الأنظمة المستبدة، وأن الدخول في قلب هذه الأنظمة البوليسية لا يمكن أن يؤدي سوى لتوسيخ الداخلين، كما أن المستفيد من الدخول هو النظام نفسه.
ولكن هل هذا ما حدث؟ هل اتعظ السياسيون المصريون؟

بالطبع لم يحدث، وأصر الإخوان المسلمون على المضي في حماقاتهم إلى آخر الخط، وقبلوا بقواعد لعبة النظام، وفشلوا (أو أفشلوا) لا فرق، وأصبح رئيس الجمهورية إخوانيا، فماذا فعل؟ هل أصلح من الداخل؟ هل نجح في تغيير أي شيء في الدولة المصرية برغم كونه رئيس الجمهورية؟
الإجابة: لقد فشل فشلا ذريعا، وانتصر النظام الفاسد نصرا ساحقا، وها نحن ندفع جميعا ثمن ذلك الفشل، وذاك النجاح، أعني فشل من أراد الإصلاح من الداخل، ونجاح النظام البوليسي العسكري المستبد في البقاء.

أكرر السؤال: لماذا أتحدث عن المصلحين من الداخل اليوم؟
لأن التيار الآخر (غير الإسلاميين)، يكرر نفس حماقة الإخوان، فهاهم يحاولون الإصلاح من الداخل، تارة من داخل مجلس الوزراء، وتارة من داخل لجنة الخمسين، وأخرى من داخل المجلس القومي لحقوق الباذنجان، ورابعة من الهيئة العليا لشؤون البطيخ!!!
والنتيجة واحدة !

لن يُسمح لأي أحد بإصلاح هذا النظام، ولكم عبرة في كل من دخل هذا النظام من أصحاب التاريخ الثوري، وكيف خرجوا (قفاهم يقمر عيشا)، بعد أن خدموا دولة الاستبداد الجديدة، وساهموا في تأسيس عهد ذل آخر، وبعد أن وقعوا على سائر إجراءات الخزي التي سجن بها ثوار، وقتل بها أبرياء.

لقد ربح النظام الاستبدادي، وكسبت الدولة البوليسية، واستمر الحكم العسكري، ولم تنجح محاولات إصلاح هذه الدولة الراسخة في الاستبداد، برغم وجود المصلحين في لجنة كتابة الدستور، وبرغم دخولهم مجلس الوزراء، وبرغم وصولهم لمنصب رئيس الجمهورية، وكل من يمني نفسه بالإصلاح من الداخل ساذج، أو يخدع نفسه.

هل تريد أن تعرف المعنى الدقيق للإصلاح من الداخل؟
الإصلاح من الداخل في مصر أشبه ما يكون بدخول "غرزة"، تأكد أنك ستصبح مسطولا بعد دقائق بسبب دخان الحشيش، حتى لو لم تتناول الجوزة بنفسك!
لذلك أقول لك: دعك من مساطيل المصلحين من الداخل الذين يرقصون اليوم على أنغام "تسلم الأيادي" بعد أن رقصونا على أنغام "يسقط حكم العسكر" شهورا طوال، وقم بنا نستعيد ثورتنا.

كيف نستعيد ثورتنا؟
تابع ما سوف يأتي من مقالات 
عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

 

للتعليق على المقال في موقع عربي 21