الانقلاب والابتذال

2014-03-01

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 1-3-2014 

ضع أكبر قدر ممكن من التفاصيل لترى الصورة بشكل صحيح، انظر معي : قضية خالد سعيد منذ أربع سنوات ما زالت في المحكمة، ولكن قضايا حبس الثوار يحبس فيها الشباب والبنات في عدة أسابيع، مع غرامات تقصم الظهر. وائل الكومي الضابط الشهير بالإسكندرية براءة، بينما الشاعر عمر حاذق وماهينور المصري وحسن مصطفى وغيرهم من النشطاء في السجن. المخبرون أصبحوا أعلاميين، ورئيس التلفزيون تسبب في غرامة 2 مليون دولار بسبب قراره بإذاعة مباراة لا يملك حقوق بثها، والشعب المصري يدفع غرامة الفيفا صاغرا ذليلا.

 

في نفس الوقت الذي يتربع فيه المخبرون على عرش الإعلام، نرى السيدة الفاضلة إيناس الشواف (وهي إعلامية كبيرة لها خبرة وسمعة لا مثيل لها)، والإذاعي الشاب محمد فهمي (وهو مذيع متميز له جمهور عريض) نجد هذين النموذجين خارج نطاق الخدمة، كل ذلك لأن السيدة إيناس ليست على مزاج الذين أوسدت لهم مسؤولية إدارة راديو النيل.  أما محمد فهمي فكل ذنبه أنه تحدث بصراحة في اجتماع مغلق، ولم ينافق أحدا، وأبدى رأيه بإنصاف في بعض الأمور الإدارية التي طلب رأيه فيها، والتي من حقه – بل من واجبه – أن يقول رأيه فيها، ويبدو أن إزاحة محمد فهمي مطلوبة لكي يفسح المجال لمذيعين نكرات ولكن معهم "كارت توصية من أونكل وطانط".  الطائرات تنقل مبارك من محبسه على مدار سنوات، وترسم القلوب في سماء القاهرة لتهون حر الواقفين في الشمس.

 

 الطائرات على أهبة الاستعداد لترويع مواطنين يسيرون في جنازة قتيل قتلته أسلحة الدولة في تظاهرة، فترى الهليكوبتر تحلق على ارتفاع شديد الانخفاض فوق قرى ناهيا وكرداسة، تطير فوق الباكين في الجنازة لتزيدهم هما فوق هم، وحزنا فوق حزن، وفزعا فوق فزع، تحلق فوقهم كطائر كراهية أسود لتوصل لهم الرسالة واضحة، نحن من أمامكم ومن خلفكم، وعن يمينكم وشمالكم، ومن فوقكم ومن تحتكم، حتى يكاد المرء يصرخ للنظام قائلا : فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسعُ  الطائرات جاهزة لإطفاء حرائق الغابات في إسرائيل، وجاهزة لنقل أي سائح أجنبي أصابته شوكة في عقلة أصبع رجله، ولكنها تحتاج إلى إجراءات وقرارات وإمضاءات وروتين لكي تنقذ مجموعة من الشباب احتجزتهم عاصفة ثلجية في سانت كاترين.

 

 مئات من أساتذة الجامعات المصرية في المعتقلات بتهم تافهة، ومئات الطلبة المتفوقين مهددون بضياع مستقبلهم لأنهم عارضوا الانقلاب، بينما استطاع دجال يعالج بالأعشاب، يستطيع أي شخص نصف عاقل أن يدرك أنه لا علاقة له بالعلم، استطاع هذا الشخص أن يخدع الدولة المصرية، وأن يلبس قادتنا "العِمَّة"، فحصل على تكريم نادر "رتبة لواء مكلف"، وفضح المصريين أمام المشرق والمغرب في حادثة تجعل الأمة المصرية تصرخ بأعلى صوتها "يا أرض انشقي وابلعيني" !  وحين يعين شخص نابه مثل الدكتور عصام حجي في موقع مستشار الرئيس للشؤون العلمية، يهلل الجميع لحكمة الرئيس وعظمة المستشار، وحين يعترض نفس الشخص على المهزلة العلمية التي حدثت، نهينه وننتقم منه في إعلامنا البذيء.  جَمِّعْ كل هذه الصور المتناقضة التي أبدعتها يد الثورة المضادة، ستجد أن الانقلاب العسكري الذي يحاول السيطرة على مصر هو أكبر سبة في جبين هذا البلد منذ آلاف السنين، ووالله لو كَلَّفْنَا أرخص كتاب السيناريو وأكثرهم فشلا لكتابة أسوأ السيناريوهات في الدنيا لما استطاعوا أن يصلوا إلى عشر معشار الابتذال الذي نعيشه في واقعنا بسبب هذا الانقلاب الغبي !

 

 كلمة أخيرة : سنرفع رؤوسنا قريبا قائلين "نحن المصريين ... تحررنا، وحررنا مؤسسات بلدنا، وسنواصل تحررنا، ولن نعيش عبيدا لأي فرد أو مؤسسة أو حزب أو جماعة"
عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

للتعليق على المقال بموقع عربي 21