فنجان الرحيل مع الدجاني

2014-01-01

من هو أحمد صدقي الدجاني؟
بالنسبة لي هو أعز أصدقائي، وأحب أساتذتي، وفي مقام الأب. إنه رجل فريد من نوعه في قدرته على الحوار مع الآخرين، وفي قدرته على اكتشاف المواهب، وفي قدرته على منح السعادة وتفتيح مسام الروح للحياة. رحمك الله يا أبا الطيب...! رافقت هذا الرجل عشر سنوات، عرفته في عام 1994، وظللت أزوره وأتتلمذ على يديه حتى رحل عن دنيانا في مساء يوم الإثنين 29/12/2003م. في عام 2000 على ما أذكر، دعاني إلى منزله، ثم قال لي : "بدأت أتهيأ للرحيل" .


قالها بهدوء ورضى، وفنجان القهوة الفلسطينية المغلية يكاد يسقط من يدي ! مثله لا ينطق إلا بالحق، مثله لا يقول كلاماً لا يقصده، وهذا أمر لا هزل فيه. على غير عادتي سكتُّ، اجتاحنى صمت، ونداء في داخلي يقول لي "اسكت ...أنت في لحظة من أهم لحظات عمرك". بعد أن ألقى ما ألقى استأنف قائلاً : " يجب على المرء أن يتهيأ للرحيل، وأن يهيىء أحبابه من حوله لرحيله ". أنا الآن في لحظة الصمت الأعظم، هل قلبي يدق؟ هل أنا على قيد الحياة؟ ما معنى الرحيل؟  يقول : "أنا مصاب بتليف في الرئتين، ولن يطول مقامي بينكم". 


وابتسامته كما هي، ونبرة صوته الهادئة كما هي، إنها النفس المطمئنة، لها علاماتها، يتحدث عن الموت كما يتحدث عن الحياة، لا يخاف لقاء ربه، بل يرجو رحمته، ويحسن الظن بخالقة. أنا أجلس أمامه وفنجان القهوة في يدي، أحدق في حديقة الميريلاند من الطابق التاسع الذي نجلس فيه وبعد أن طال صمتي قال لي :" بدأت أهيء أم الطيب للرحيل، أقول لها ماذا أفعل لو رحلت قبلي؟ ثم أسألها ماذا تفعلين لو رحلت قبلك؟"  كان هذا الحوار في شتاء عام 2000 إذا لم تخني الذاكرة، وقد رحل رحمه الله بعدها بثلاث سنوات. ما زال يقول لي وفنجان القهوة في يدي "الحياة رحلة ولا بد لها من نهاية، وأنت سيكون لك شأن، ولا بد أن تنشر شعرك".
حينها شعرت بأن وقتاً طويلاً مر دون أن أشعر، بردت القهوة، قربت الفنجان من فمي، رشفت...أين السكر؟ ما كل هذه المرارة في الفنجان؟ أبُنٌّ ذاك أم علقم؟ بكيت كثيراً حين نزلت خرجت من حضرته، ولم أبك عليه حين رحل مثلما بكيت في ذلك اليوم.


أغرب ما في الأمر أن ما اراده قد حدث، لقد هيأني لرحيله ! اليوم...أذكرك يا سيدي في ذكراك العاشرة وكأنك طيف، وكأن وجودك في الحياة كثير علينا، وكأن الجمال الذي كنت تمنحه لكل ما حولك ومن حولك كثير علينا. أحمد صدقي الدجاني ابن مدينة يافا، ذو الأصول المقدسية، ولد بيافا في 7 مايو 1936، ثم مع النكبة رحل إلى سوريا، واختار منذ ذلك الحين أن يتحدث الفصحى، فهي ما يجمع كل العرب، ويمنع من تمييز المرء بلهجة أو لكنة، لذلك تحدث بالفصحى مذ بدأ التدريس وهو في الرابعة عشرة، في عام 1950 تقريبا إلى أن رحل عن دنيانا. هل رأت القاهرة رجلا مثله؟ يوقف سائق التاكسي، ثم يركب، ويقول له : "خذني إلى مصر الجديدة وسأعطيك عشرة جنيهات"، هكذا يقولها، بالفصحى، ثم يبدأ الحوار مع السائق، حتى ينتهي الطريق.


يقول لي وأنا أجلس معه في "الشاليه" الصغير في ساحل مصر الشمالي : "هذا البحر يذكرني ببحر يافا" القهوة على البحر سحر، وبصحبة أبي الطيب تصبح السحر ذاته. يفكر في فلسطين، يحمل على ظهره هم هذه الأمة العربية، ويرى جيل الشباب مفتاح الحل. جيل أحمد صدقي الدجاني هو المشكلة، إنه جيل لا يعرف التقاعد، ولا يعرف الحوار، والفجوة بينه وبين ما تلاه من أجيال كحفرة حفرها نيزك اصطدم بسطح كوكب مهجور بسرعة آلاف الكيلومترات، بعد أن سار مئات السنوات الضوئية! أستثني من هذا الجيل عددا قليلا جدا أسعدني حظي بلقائهم، على رأسهم أحمد صدقي الدجاني، وعبدالوهاب المسيري، عليهما رحمة الله.


إنه الرجل الذي يحبه الجميع، ويحترمه الجميع، حين شارك في تأسيس المؤتمر القومي الإسلامي واختير ليشغل منصب المنسق الأول للمؤتمر بين عامي 1994 و1997، اعتبره القوميون قوميا، واعتبره الإسلاميون إسلاميا، والحقيقة أنه كان من أهم الذين يدركون أن الفارق بين ما هو قومي وما هو إسلامي ليس أكثر من خلافات مصطنعة. ذكرتك يا سيدي في لحظات صعبة مرت بها الأمة المصرية والعربية، ذكرتك وقلت : "هذا زرعك قد أثمر وأينع". رحم الله الرجل العظيم أحمد صدقي الدجاني