دولة الإقطاعيين الجدد

2013-09-21

المقال منشور بجريدة الشروق 21-9-2013 م

لماذا اندلعت ثورة يناير المجيدة؟ هناك إجابتان عن هذا السؤال، الإجابة الأولى أزعم أن الغالبية الساحقة من الشعب المصرى تؤمن بها إيمانا تاما، وهذه الإجابة تتلخص فى أن الشعب المصرى (جاع أكثر من اللازم)، وذاق ظلما رهيبا خلال ستين عاما مضت، وأهينت كرامته، ثم خرجت أجيال جديدة لا تؤمن بمسلمات الخوف التى آمن بها الآباء والأجداد، وانسدت أمام هذا الجيل آفاق المستقبل، فلم يكن أمامه إلا أن يثور فى وجه النظام المستبد، إذ لم يكن لديه شىء يخسره. الإجابة الثانية يتبناها فريق آخر، مصريون، أسميهم «الإقطاعيين الجدد»، وهؤلاء يرون أن ثورة يناير اندلعت لأن الشعب المصرى (شبع أكثر من اللازم)!
نعم.. هذا رأيهم، إنهم يرون أن الشعب المصرى الذى يعيش أربعون فى المائة منه تحت خط الفقر، قد شبع (واتدلع)، وبالتالى تجرأ على (أسياده).


الرأى الأول يؤمن به الغالبية العظمى من بسطاء المصريين، وغالبية أفراد الأجهزة الأمنية والعسكرية والجهاز الإدارى للدولة، وغالبية العاملين فى القطاع الخاص من الوظائف الدنيا، وغالبية رجال الأعمال الصغار ومتوسطى الحجم. الرأى الثانى ــ أعنى رأى الإقطاعيين الجدد ــ يؤمن به الغالبية العظمى من قيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية والجهاز الإدارى للدولة، وغالبية كبار رجال الأعمال وأصحاب المناصب الكبرى فى القطاع الخاص، وستجد مشاعر غالبية السياسيين «المحترفين» من شتى التيارات الفكرية مع هذا التيار الإقطاعى، وهو أمر عجيب. التيار الإسلامى منقسم، لذلك سترى أن العواطف الحقيقية لقيادات التيار الإسلامى مع الإقطاعيين الجدد أيضا، واتضح ذلك من شبقهم للسلطة خلال العامين الماضيين، أما القواعد فعواطفهم مع عموم الشعب المصرى.


«الإقطاعيون الجدد» يرون أن هذا الشعب ناكر الجميل لا بد أن يتربى، ولا بد أن يحكم بكرباج أشد غلظة من كرباج مبارك، وكل ما يقدم للناس اليوم فى شكل مكاسب اقتصادية أو اجتماعية أو حتى سياسية ليس أكثر من عظمة تلقى لكلب لكى يدخل قفصا يستحيل الخروج منه (هكذا يوهمون أنفسهم). كثير من عامة الشعب صدقوا «عظمة» الإقطاعيين الجدد بسبب عضة الجوع، وبعضم يردد ترهات الإقطاعيين فى أن الشعب (شبع أكتر من اللازم)، ويقولون ذلك وهم جوعى، ولكنهم يظنون أن منح العرب سوف تشبعهم، ولا يعرفون أننا مقدمون على أيام سيصبح فيها الجوع خليلا لغالبية المصريين، وأن هناك خطة لتجويع المصريين أكثر من أيام مبارك، لكى يعرفوا أن الله حق، وأن الثورة شر، وأن العين لا تعلو على الحاجب أبدا، وأن الانشغال بجمع فتات الرزق هو الحل، وأن كلمة «لا» من المحرمات. مكانك أيها المصرى «جنب الحيط»، ولن يكفيك ذلك، بل لا بد أن تكون مواطنا من «المواطنين الشرفاء»، أى أن تصبح مخبرا للأمن، تبلغ عن كل مواطن يفكر فى التمرد على أسياده.


هذا هو جوهر الصراع اليوم فى مصر، شعب يرى أنه قد جاع أكثر من اللازم، وقيادات ترى الشعب الجاحد قد شبع أكثر من اللازم! هذه مصر التى تبنى اليوم، إنها دولة السادة والعبيد، دولة «الإقطاعيين الجدد»!