لمـاذا هتفوا؟

2013-09-07

المقال منشور بجريدة الشروق 7-9-2013 م

أول مرة فى حياتى هتفت فيها «يسقط حكم العسكر» كان على سلم نقابة الصحفيين فى عام 2005 خلف كمال خليل الناشط اليسارى الله يمسيه بالخير. بعد خلع مبارك بأسابيع بدأ بعض الثوار يهتفون «يسقط حكم العسكر»، وكانت غالبيتهم من التيار المدنى. تلقيت عشرات الرسائل تدعونى للانضمام لهم، ولكنى لم أكن أصدق ما قيل لي، وكنت أرى أن تجاوزات الجيش تصرفات فردية من عسكريين لم يتعودوا التعامل مع المدنيين، فى ظرف استثنائى يعصف بالبلاد. ظللت أحسن الظن فى المجلس العسكرى برئاسة طنطاوى إلى شهر يوليو 2011، وكتبت حينها مقالة من جزأين فى عمودى اليومى بجريدة اليوم السابع، وكان أن هاتفنى على إثرها أحد أهم القيادات فى المجلس العسكرى، وبدأت شكوكى من هذه اللحظة.


لقد تحدث الجنرال بلهجة عدائية، تتعالى على الناس، يخون، ويوجه تهم العمالة، وشاء الله أن تأكدت بعدها بأيام أن المجلس العسكرى لا يضمر الخير لثورة يناير أبدا، ولهذا قصة قد أرويها فيما بعد. الذين هتفوا «يسقط حكم العسكر» من التيار المدنى بلغت بهم درجة الشطط إلى الإساءة للجيش المصرى نفسه أحيانا، وهو أمر تحفظ عليه سائر العقلاء، فمشكلتنا كانت مع سياسات المجلس العسكرى، وليست بأى حال من الأحوال مع جيشنا الوطنى الذى نعتز به. من الغريب المريب أن نرى نفس الأشخاص الذين هتفوا «يسقط حكم العسكر» من التيار المدنى يهتفون بأعلى صوتهم «نعم لعسكرة الدولة» ! حين حاولت أن أفهم من بعضهم وجهة نظره لم أسمع إلا سبًا فى التيار الإسلامى، وحين حاولت أن أوضح وجهة نظرى فى أن الحل فى خلق تيار مدنى يستطيع أن يحصل على ثقة الناس عبر الصناديق، سمعت حينها سبا وتخوينا موجها لى أنا شخصيا! جلست مع أصدقاء آخرين بينى وبينهم عشرة نضال، فاكتشفت أن كثيرا من الذين هتفوا «يسقط حكم العسكر» لم يرفعوا أصواتهم بهذا الهتاف رفضا لعسكرة الدولة، بل رفضا لتحالف العسكر مع الإسلاميين.


أى أن هناك جملة محذوفة من الهتاف، بإمكان القارئ أن يتخيلها، «يسقط حكم العسكر»... لأنهم تحالفوا مع الإسلاميين، أو «يسقط حكم العسكر»...لأنهم لم يتحالفوا معنا، أو «يسقط حكم العسكر».. لأنهم لم يتخذونا مستشارين ووزراء، أو «يسقط حكم العسكر».. إلا إذا قاموا بانقلاب عسكرى وخلصونا من منافسينا! تظننى أبالغ عزيزى القارئ؟ ما تفسيرك إذن لوثيقة السلمى؟ وما تفسيرك لكل الذين صدعونا بآلاف المقالات فى هجاء المجلس العسكرى ثم تراهم اليوم فى مخدع السلطة العسكرية؟ الرد الجاهز الآن هو أن تخوفنى من الإخوان والإسلاميين، وأنا بدورى أقول لك إن قيادات هذا التيار هم من شر الناس، ولكنى ــ بعد أن دار الزمان دورته ــ لا أرى أى فارق حقيقى بين من يتواطأ على ثورة يناير ومكتسباتها ويعيد لنا الدولة الأمنية الغاشمة باسم الدين، وبين من يفعل ذلك باسم الأمن القومى أو الوطنية! لقد ظهرت حقيقة الجميع، ونحن أمام سياسيين قد رضعوا من بئر خطيئة واحدة، خطيئة شهوة الحكم، لا فرق بين إسلامى وليبرالى، إنهم سواسية كأسنان البعير!.