أوهام اللحظة الحلوة

2013-09-03

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 3-9-2013 م

يعيش ملايين المصريين اليوم ما يمكن أن نسميه «أوهام اللحظة الحلوة»، وخلاصة هذه الأوهام أن مصر ستبنى دولتها المستقلة القوية العزيزة على جثث أبنائها من المدنيين والعسكريين، وأن دماء المتظاهرين ودماء أبناء الجيش والشرطة هى الطريق لبناء مصر الحديثة! هذا ما روجه بعض من لا يتقى الله للناس، وتم سد جميع القنوات التى تسمح بوصول وجهة نظر أخرى بشكل شبه كامل، وها نحن ندفع جميعا ثمن هذا التهور. المصريون بعد «أوهام اللحظة الحلوة» سيرون الحقيقة، وأعنى بذلك ثلاث حقائق:


الحقيقة الأولى: أن العنف لن يحل أى مشكلة سياسية، وأن إطلاق النار على المتظاهرين لم يكن عملا حكيما، بل كان جريمة متكاملة الأركان، وهى جريمة لا داعى لها، ولا دافع لها سوى شهوة الدم والانتقام، فقد كان بالإمكان فض هذا الاعتصام بمسار سلمى آخر، ودون أن تراق قطرة دم واحدة، ولهذا استقال الدكتور محمد البرادعى. البعض يحاول التشكيك فى هذا الأمر، وأنا أؤكد وأكرر أن فض الميدانين كان على وشك أن يتم بدون قطرة دم واحدة، وبدون توريط لوزارة الداخلية، ولجيشنا العظيم فى هذا العمل المشين، هذا العمل الذى لا يمكن وصفه بالبطولة، إذا لا بطولة فى أن يقتل أبناء الوطن الواحد بعضهم البعض، ولا بطولة فى حل مشكلة سياسية بالبنادق والمدرعات.

 

الحقيقة الثانية: أن أموال المعونات العربية لن تغنى عن المصريين شيئا، وقريبا جدا سنرى أنفسنا عراة أمام أنفسنا وأمام العالم، وستعود مشكلات «عصر مرسى» مرة أخرى، ولن يصبر معنا الممولون والمانحون للأبد، بل سنعيد كل دولار أضعافا مضاعفة. الحقيقة الثالثة: أنه لا طريق إلا المصالحة، وأن ضمائرنا قد عطبت، وأن كثيرا من المصريين قد فسدت قلوبهم من الداخل، وأصبح كثير منا لا يبالى بإراقة الدماء، ولا يهتم سوى بنفسه، ويتجرأ على كل الموبقات ويصفق لها تحت تأثير الإعلام القذر، وهو أسوأ ما حدث خلال الشهور الماضية. لقد استطاعت ثورة يناير أن تستخرج أفضل ما فى المصريين، ولكن الشهور الماضية استطاعت أن تستخرج أسوأ وأقذر ما فى ملايين المصريين. صحيح أن كثيرا من المصريين تحت ضغط اللحظة الراهنة، وهى لحظة لا ترحم، فهناك الملايين من الذين لا يعملون، ولا يجدون قوت يومهم، وهناك الكثيرون من الذين تضرروا أكبر الضرر بسبب حماقة الرئيس المعزول وجماعته، ولكن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا للرقص على جثث مواطنين آخرين.

 

على الجهة المقابلة هناك من استباح دماء الضباط والجنود، وهو أمر لا يقل تجريما وتحريما عن الجريمة الأخرى، ومن المستحيل أن تتحرك مصر إلى الأمام وهذا الثأر بين الناس موجود. إن الحل الآن لن يكون إلا بمصالحة، وهذه المصالحة لن تأتى إلا بعد أن يفيق الناس من «أوهام اللحظة الحلوة»، ويدركوا حقائق المشهد الحالى بلا تورية أو تهوين أو تهويل. قريبا جدا سيكتشف المصريون أن إراقة الدماء لم تحل مشاكلهم، وأن سلف الإخوة العرب لم تسد رمقهم، وأن المصالحة لا مفر منها.  نحن فى انتظار الحقيقة!