فنجان قهوة

2013-06-15

المقالة منشورة بجريدة الشروق 15 - 6 - 2013 

 
حين أرى صديقا عزيزا أمامى فى جلسة أو محاضرة أو اجتماع وهو يكاد ينام، ورأسه يتمايل كناطحة سحاب أمام زلزال أشعر حينها فقط أننى أود أن أقدم له فنجان قهوة، وما سوى ذلك لا أحب بل لا أشعر بأى رغبة فى أن أعد القهوة بنفسى.  حين أرى امرأة حسناء حيل بينى وبينها كنت أحظى منها بفنجان قهوة، فهذا يكفينى لسبر أغوارها، وكشف أسرارها، وللتواصل مع مكنونها الداخلى العميق، فالقهوة تفتح مسام الروح لمن يعرفون كيف يتسللون داخل النفس البشرية، والحقيقة أن التسلل داخل أنفس البشر لا يكون بفتح الأبواب، بل بالتسلل كضوء يمر خلال مشربية.
 
القهوة مؤنث، والفنجان مذكر، واحتواء الفنجان للقهوة أراه شكلا مبسطا مجردا لما ينبغى أن تكون عليه علاقة الرجل والمرأة، فالرجل يحتوى المرأة، والمرأة تملأ الرجل كما تملأ القهوة فنجانها، وحين يمتلئ الرجل بامرأة يصبح أكثر جاذبية، يتحول إلى فنجان قهوة تفوح منه رائحة البن الجاذبة الجذابة. إنها نعمة من الله للرجل... أن تملأه امرأة، ونعمة من الله لكل امرأة... أن يحتويها رجل! القهوة بلا فنجان تفقد غالبية أثرها ـ فى مذهبى ـ فتصبح جرعة من «الكافيين» لا أكثر.
 
الطقوس ربما تكون أهم من المشروب ذاته، ومن يشرب القهوة فى كوب يبدو لى كزوج يمارس حياته الزوجية دون كلمة حانية، أو قبلة عذبة، إنه كزوج فقد ولعه بامرأته، وأصبح لا يحتويها بأى حال، فهو يقبلها منكوشة الشعر، بلا زينة، بلا عطر! البن معجزة مزاجية، تأثيره يتخطى قدرة «الكافيين»، ولكن ذلك يتم بفضل الطقوس، لذلك لابد من طقس ما حين ترتشف قهوتك، لابد من فنجان، لابد من جريدة، لابد من امرأة جميلة، لابد من أى شىء تتعود عليه ليصبح للقهوة مفعول ما، أما الاكتفاء بقدرة «الكافيين» على التغلغل فى كرات الدم فهذا كعبادة بلا لذة ولا خشوع.
 
قهوة الصباح فريضة عند البعض، وقهوة جميع الأوقات محببة عندى، ولولا أضرار الإكثار من القهوة لأكملت مسيرتى مع البن، فنجانا يتلو فنجانا، لا أكتفى بفنجان واحد فى اليوم، بل أترك نفسى لغواية البن توصلنى حيث تشاء، ولكن... للضرورة أحكام، والإكثار من القهوة أصبح أمرا مضرا لى، لذلك أتناولها بحساب، وبإتقان، تماما مثلما يفعل الصياد الماهر، يصيد طريدته بأقل مجهود، ودون أن يبدد ذخيرته. استمتعوا بقهوتكم... قبل أن يمنعكم ما يمنعكم...
 
لا تقلقوا... مصر إلى الخير بإذن الله...!