ذكريات خاصة جداً

2013-06-11

المقالة منشورة بجريدة اليوم السابع 11-6-2013

 

تذكرت كلام «بيتهوفن» رحمه الله، وأنا أبعثر الذكريات فى قلبى، أهز قلبى هزا لكى يساقط على الذكريات رطباً جنياً من أعلى نخلة. الذكريات أغلبها مشترك مع الآخرين، ولكنها قد تبقى فى ذاكرة البعض وتختفى من ذاكرة البعض. مع التقدم فى مسيرة العمر تخنق الذاكرةُ ذكرياتِنا، فلا يتبقى من الذكريات إلا أشدها رسوخا، فقد قضى ربك أن يخفف عنا حمل الذكريات كلما تقدمنا فى العمر، لأن حمل الذكريات ثقيل، وينوء بحمله الكبار.مريض الزهايمر كلما تقدم فى المرض، كلما أُمحيت ذاكرته، ولكن تبقى الذكريات الراسخة، ذكريات الطفولة وسنوات التفتح الأولى، لا يمكن أن تُمحى أبداً! جلست مع أحد أساتذتى وهو روائى كبير يقترب من الثمانين، وقال لى: «بالأمس التقيت صديقا قديما أعرفه منذ ثلاثين سنة أو أكثر، وظللت أتحدث معه ساعة كاملة، دون أن أتمكن من تذكر اسمه، ولكنى ما زلت أذكر طعم أول قبلة قبلتها لفتاة وكأنها حدثت منذ دقيقتين.. !»


ذكرياتنا كنز.. يقول البعض إنه لا يفنى، ويقول آخرون إنه يفنى، وأنا أقول إن ذكرياتنا كنز لا يفنى، ولا يُسْتَحْدَث، إنها كالطاقة، ذكرياتنا مدفونة فى سراديب قلوبنا، لا تستطيع أن تلغيها فتفنى، ولا تستطيع أن تضيف إليها أو أن تعدلها فتُستحدث.. ! ذكرياتنا رصيد مشترك مع البشر، وهى كالكلأ والماء، لا احتكار فيها، إنها مثل الصور الفوتوغرافية فى الرحلات، لا تستطيع أن تحذف الآخرين منها، وحتى إذا مزقت الصور، فتأكد أن الآخرين ما زالوا محتفظين بصورهم، وحتى إذا مزقوها هم أيضا فتأكد أن هناك «نيجاتيف» ما فى مكان ما يخلد الذكرى، وحتى إذا أعدم «النيجاتيف»، فذلك لن يغير من حقيقة أن اللحظة المشتركة قد تحولت لذكرى كبرق فى السماء، أو كزلزال فى الأرض، أو كدوامة فى البحر، أو كقبلة بين عاشقين، أو كدمعة بين سجدتين.إن بعض التجارب مع بعض الأصدقاء والأحباب تبقى عند المرء ذكرى يصعب محوها، ليس لأنها تستمر بتواصل الناس، بل لأنها أعمق من النسيان.


إنها ليست أمرا يلاحظه الآخرون، وليست عرضاً يدركه المتخصصون، بل هى أمر يَمَسُّكَ أنتَ، دون سواكَ، إنها شعور شديد الخصوصية.. مثل شعور «بيتهوفن» بأنه قد مرّ عليه يوم دون أن يعزف على البيانو.. !