دولة التنظيمات السرية

2013-05-25

المقالة منشورة بجريدةالشروق 25 - 5 - 2013 


الشىء نفسه ينطبق على جهازى المخابرات العامة والعسكرية، فقد استثنى مشروع قانون حرية تداول المعلومات الذى نشرته وزارة العدل كلا الجهازين من الخضوع للقانون.  كان من الممكن تَفَهُّمُ أن تُستثنى بعض الوثائق والمعلومات السرية التى تتعلق بالأمن القومى، ولكن أن تستثنى جميع الأنشطة فهذا أمر عجيب، خصوصا أن أجهزة المخابرات لها أنشطة تجارية، فهى تملك فنادق ومستشفيات ونوادى، فلماذا لا تراقب هذه الأنشطة؟! أما جهاز الأمن الوطنى فلا يعرف أحد عن نشاطاته شيئا، وهو جهاز ينطبق عليه صفة «التنظيم السرى» بكل المعانى السيئة التى يستدعيها المصطلح، وإطلاق اسم «الوطنى» عليه لن يمنحه الوطنية، فالوطنية ليست مجرد لافتة ترفع.

 
القاسم المشترك الثالث بين هذه التنظيمات السرية، أنه لا أحد يستطيع أن ينضم إليها وفق قواعد واضحة، فهناك دائما قوة خفية (أو الواسطة) تحدد من يصبح عضوا فى هذا التنظيم أو ذاك. القاسم المشترك الرابع بين هذه التنظيمات السرية أنها تواجه كل من يحاول إخضاعها للقانون وكأنه عدو مبين، فيواجه بالعنف، أو بالتخوين، أو بأنه يعمل ضد مصلحة عليا، إما مصلحة الإسلام والدعوة، أو مصلحة الوطن والأمن القومى. القاسم المشترك الخامس أن هذه التنظيمات لها لغة مشتركة، فهى تفهم بعضها البعض أكثر من أى أحد من خارجها، وهو ما أدى إلى سهولة التوصل إلى اتفاقات وصفقات وتحالفات عندما حانت الفرصة، وهذا يهدد مستقبل الديمقراطية فى مصر بعمر أطول للتنظيمات الكهنوتية التى يسهل تسلل الفساد إليها، خصوصا أنها تتعامل مع مال «سايب»، وأدوات حكم ومعلومات «سايبة».


 
المدافعون عن هذه التنظيمات السرية لا يفهمون أن كل الدول التى تقدمت قد تخلصت من مثل هذه الأجهزة (بشكلها الحالى). لا أحد يريد أن تلقى مصر أسرارها العسكرية والاقتصادية على قارعة الطريق، ولكن نريد أن نتعلم من الماضى، وأن يشعر جميع العاملين فى الأجهزة الحساسة أن عين الشعب ترصد، وأن المحسن سيكافأ، والمسىء سيحاسب. ستظل مصر دولة متخلفة طالما ظلت فيها تنظيمات سرية تتحكم فى جزء من منظومة الحكم (حتى لو بالانتخاب)، وستظل دولة منكوبة طالما ظلت عاجزة عن التعلم من تجاربها الفاشلة، وكل ذلك بسبب تنظيمات سرية لا يستطيع أن يحاسبها أحد.