مع الفكاهة ضد البلاهة

2013-04-03

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 3-4-2013 م

أحيل الدكتور باسم يوسف الإعلامى الساخر المعروف إلى النيابة للتحقيق معه فى تهم تتعلق بإهانة الرئيس، وبازدراء الأديان. باسم يوسف كشف ببرنامجه تفاهة رجال الدولة القابعين على مقاعد الحكم الآن، وأنا أتضامن مع الفكاهة ضد البلاهة. حين أعلنت موقفى ذاك جاءتنى اعتراضات كثيرة من مجموعة من الإخوة الكرام الذين يخلطون الأوراق بقصد أو بغير قصد، ويمكن تلخيص هذه الاعتراضات فى ثلاث نقاط.

 

النقطة الأولى: كيف تتضامن مع البذاءة والسخرية؟ والحقيقة أننى أتحفظ على هذه التجاوزات، وخيرا فعلت إدارة القناة حين نوهت بشكل واضح صريح إلى أن هذا البرنامج للكبار فقط، وليس معنى أن لى تحفظات على أداء باسم أن أوافق على إحالته للنائب العام، ثم إن هذه التجاوزات وقع فيها الجميع من سائر الاتجاهات، وللأسف وقع فى ذلك بعض من ينسب زورا لأهل العلم، وهؤلاء -فى رأيى- أولى بالحساب والعقاب. أما الذين استشهدوا بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ»، فهؤلاء لا يعرفون أن هذا الأمر لا عقوبة له فى الدنيا، ولا يحق لأحد أن يقدم شخصا لعقوبة دنيوية بتهمة لا حد عليها ولا تعزير فى الشريعة، ولكن ماذا نقول فى جهلاء لا يعرفون من الدين إلا القشور، ويظنون أن الله قد أعطاهم حق محاسبة الناس على كل شىء.

 

النقطة الثانية: كيف تتضامن مع عدو للإسلام؟ وهذا من أعجب ما سمعته، فهؤلاء المعترضون قد أصدروا الحكم على الرجل برغم أنه ما زال متهما لم تثبت إدانته! ثم إن الزعم بأنه قد أهان الإسلام زعم تافه لا دليل عليه، وهناك من يعتبر السخرية من الإسلاميين «وكثير منهم يستحق السخرية» سخريةً من الدين نفسه، والزعم بأن الرجل قد أهان علماء الإسلام كلام فارغ، وما أهان العلماء إلا الأدعياء الذين ينتحلون صفة أهل العلم وهم دخلاء على العلم وأهله، وهم يملأون شاشات القنوات التى تسمى نفسها زورا بالقنوات الدينية، حتى أصبح كل شتَّامٍ وأفَّاكٍ شيخا يفتى فى الدين لأنه قد أطلق لحيته، وتحدث بلغة عربية ركيكة.

 

النقطة الثالثة: هل تقبل أن يفعل فيك أو فى من تحب مثل هذه الفيديوهات؟ وبرغم أن فى السؤال ذلك تجاوزا، وبرغم أن فى ذلك خلطا للعمل العام بالأمور الشخصية، فإننى لا أستنكف أن أقول إن كل من يعمل فى العمل العام لا بد له أن يتحمل النقد وإن كان فيه بعض التجاوز. صحيح أننا ننزه علماء الدين الحقيقيين عن السخرية، ولكن إذا تدخل علماء الدين فى السياسة وتحزبوا وتحيزوا لاتجاه أو لحزب أو جماعة.. فهذا يجعل من حق الناس أن تنتقد آراءهم السياسية، بدون إساءة أو تجريح، وعلى العلماء أن يتحملوا ذلك، أو عليهم ألا يخوضوا فى السياسة، وهذا ما أفضله أنا شخصيا، وأتمنى من كل الرموز الفقهية أن تترفع عن الخوض فى بحر السياسة العطن.

 

وأحب هنا أن أذكر القارئ الكريم أننى حين طالنى شىء من النقد الجارح لم أتذمر، فقد وضعت صورتى مع عدد من السادة الذين اشتركوا فى وثيقة الأزهر لنبذ العنف على غلاف مجلة السياسى، وكان الغلاف مسيئا جدا، ولم أتذمر من ذلك، وحين صودرت المجلة استنكرت ذلك علنا فى وسائل الإعلام، وليس معنى أن رساما أطلق لنفسه العنان فى أمر ما أن نصادر المجلة، هذا اعتداء سافر سافل على حرية الرأى والإبداع أستنكره بكل ما أوتيت من قوة! خلاصة القول.. نحن أمام خصومة سياسية فاجرة، تستخدم فيها الدولة أنيابها بطريقة تسىء لرجالاتها، ولا دخل للدين بهذا الأمر، وما أتفه الدولة التى تخاف من برنامج ساخر، وأنا شخصيا أتحفظ على كثير مما فى برنامج د.باسم يوسف، وأرى أن برنامجه يرسخ حالة الاستقطاب السياسى الموجودة فى الشارع «وهذا أسوأ ما فيه»، ولكنى على استعداد أن أدافع عنه بكل ما أوتيت من قوة، لأن منع «البرنامج» قمع حقيقى، إذا سكتنا عنه اليوم، فسوف يمتد إلى الجميع غداً. هذا رأيى والله أعلم!