وعسى أن تكرهوا شيئا

2012-05-27

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 27-5-2012 م 


أقول لشباب مصر الطاهر قال الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم: «وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ». 

 

يرد شباب مصر الطاهر الذى يعانى الإحباط بسبب نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية «ولكننا فى حزن شديد»، وأنا بدورى أذكرهم بقوله تعالى: «وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. 


إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمينَ»، صدق الله العظيم. يا شباب مصر العظيم، لكل معركة أرض، ولكل معركة جنود، وأرض معركتنا الحقيقية ليست فى القصر، بل فى الحقل والمصنع والجامع والجامعة والكنيسة والنادى والمقهى والشارع والحارة، وهذه الأرض لا يستطيع أحد أن يسحبها من تحت أقدامنا، ولا يستطيع أحد أن يمنعنا من النزول إليها، فقد قاتلنا حتى أصبح بإمكاننا تكوين الأحزاب والجمعيات، وتنظيم الفعاليات والتظاهرات، ولن نسمح لأحد بأن يسلبنا هذه الحقوق، ولن يجرؤ أحد على ذلك. 


وكذلك جنود المعركة موجودون، جنود المعركة أنتم، وهذا هو مكسبنا الحقيقى من هذه الانتخابات، عشرات الآلاف من الشباب المخلص الذى انضم للعمل السياسى فى حملتى الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح والأستاذ حمدين صباحى. لن ينفعنا حين نخوض معركتنا تلك أن لنا رئيسا فى القصر، ولن يضرنا حين نخوضها أنْ ليس معنا رئيس فى القصر. 

 

أرض المعركة موجودة، والجنود موجودون، فلم يبق إلا شحذ العزائم، وتجديد الأمل، واستئناف العمل. ولا تحسبوا أن وجود شخص مكروه فى القصر سيمنعكم من الوصول لمرادكم، بل ربما وجود رئيس غير محسوب على الثورة يعفى الثورة من تحمل تبعات الفشل، ويعطينا فرصة التدريب والتجريب ونحن خارج أسوار القصر، لكى نكون أكثر جاهزية حين ندخله بعد سنوات قليلة . 


لقد قامت ثورات كثيرة، وبعد أن قامت هذه الثورات انتخب الناس رموزا محسوبة على الأنظمة القديمة، وكانت النتيجة أن الثورة الجديدة لم تتحمل تبعات سنوات من الفشل، وانتصرت الثورات بعد ذلك بسنوات قليلة، لأن الفشل تحمله النظام القديم. 


وقامت ثورات أخرى وفشلت أو تعطلت لأنها تحملت تركات من الحكم أكبر منها. لا أستطيع أن أخفى تفاؤلى بما حدث! 


أقولها بكل صدق، فأنا حين أنظر لكل شباب مصر الطاهر لا أملك إلا أن أتفاءل. لقد كسرنا معادلة الاستبداد، وغيرنا الخريطة السياسية لعهود الظلم، أو أمامنا فرصة تاريخية لنفعل ذلك بأن نمؤسس التيارات الجديدة التى خلقت خلال الفترة الماضية، بحيث نخرج مصر من الثنائية المقيتة والخيارات المحدودة التى كانت الناس تختار على أساسها، فإما أن ترضى بالنظام الفاسد، وإما أن ترضى بالإخوان! 


بإمكاننا اليوم أن نخلق تيارا جديدا من خلال حملة الدكتور أبوالفتوح، وتيارا آخر من خلال حملة الأستاذ حمدين، ولو نجحنا فى ذلك فإن المكاسب أكبر بكثير من مجىء رئيس يحكم البلد لفترة ما، نجح أو فشل.


مكاسبنا فى البشر أكبر بكثير من أى مكاسب، ولسنا طلاب مناصب، فالمناصب عندنا وسائل لتحقيق العدل للناس، وسيظل الإنسان هو هدف كل ما نفعله. 


يا شباب مصر.. إياكم واليأس، لأن معركتنا أكبر وأهم من أن تحسم بهذه السرعة وبهذه السهولة، وتأكدوا أن الاختبار الحقيقى أمامكم الآن أن تكوّنوا مؤسساتكم وأحزابكم، وأن تخوضوا انتخابات المحليات، وأن تبدأوا بالنزول إلى الناس، لكى تكونوا جاهزين بعد عدة سنوات لمواجهة أى أرعن يظن نفسه يستطيع أن يجهض ثورتكم المجيدة. 

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين.

رابط المقال على موقع اليوم السابع