بلاغة الظلم..وركاكة العدل

2012-06-03

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 3-6-2012 م 

 

قال الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم: «وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ».  

وجاء فى الحديث الشريف، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَفْصَحَكَ، مَا رَأَيْتُ الَّذِى هُوَ أَعْرَبُ مِنْكَ «أى أن الرجل يعرب عن انبهاره وإعجابه بفصاحة سيد الخلق عليه السلام»، فرد عليه الرسول الكريم قائلا: «حُقَّ لِى، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ». 


ما زلت أربط دائما بين فصاحة التعبير وعمق التفكير، وأشك دائما فى قدرة من لا يستطيع أن يتحدث لغة عربية سليمة على التفكير السليم، وعلى الوصول إلى منهج فكرى سديد فى أى موضوع من المواضيع، أو فى أى تخصص من التخصصات.  سيقول البعض: ولكن هناك عباقرة وعظماء فى تاريخ البشرية لم يتحدثوا العربية! 


هل هناك مجال لإنكار عظمة توماس أديسون؟ أو وليام شكسبير؟ أو حتى جولدا مائير؟ وهذا كلام صحيح، ولكنهم كانوا يتقنون لسان قومهم، وكانوا يعبرون تعبيرا فصيحا عن أفكارهم بلغاتهم الأم، وغالبية عظماء التاريخ البشرى ستجدهم قادرين على التعبير عن أفكارهم بلغة سليمة، والعلاقة بين اللغة والفكر أعمق بكثير مما نتخيل.  


يظن البعض أن اللغة مجرد وسيلة للتعبير عن الفكرة، وهذا غير دقيق، لأن اللغة تحمل أفكارها الخاصة، وتحمل معانيها وقيمها المزروعة فيها، اللغة ليست مجرد وسيلة، وليست كائنا «محايدا» نستخدمه بأفواهنا كما يحلو لنا، اللغة «أى لغة» تحمل ملايين الإيحاءات، وتحمل أخلاقا فى داخلها، وهذا أمر يتراكم عبر الأجيال، ويحفظ فى سراديب الحروف والكلمات والتركيبات اللغوية.  

 

بعد هذه المقدمة أحب أن أقول إننا قد سمعنا خلال الفترة الماضية كبار قضاة مصر وهم يتحدثون فى أهم شؤون الأمة المصرية، والحقيقة أن أحاديثهم كانت أنموذجا فى الركاكة اللغوية الفاضحة، وكما قلت.. ركاكة المبنى لا يمكن أن تنفصل عن ركاكة المعنى! 

 

السيد المستشار عبدالمعز إبراهيم، والسيد المستشار فاروق سلطان، والسيد المستشار أحمد رفعت.. جميعهم لا يكاد يقيم جملة سليمة باللغة العربية الفصحى، بل إن بعضهم عجز عن أن يتلو بعض أشهر آيات القرآن الكريم، بحيث يحق للمرء أن يتساءل بعد أن يستمع إليهم: «أين تعلم هؤلاء؟، وكيف وصلوا إلى هذه المناصب فى وقت كان أساتذتهم الذين تتلمذوا على أيديهم آيات فى البلاغة؟»  أعرف حساسية البعض من التعليق على الأحكام القضائية، ولكنى لا أعلق على مضمون الحكم، بل أعلق على منطوقه اللغوى، ولا أستطيع – بحكم تكوينى كشاعر – أن أفصل ركاكة المبنى عن التوفيق فى المعنى.  

 

كلما سمعت ركاكة السادة المستشارين تذكرت قوله سبحانه وتعالى: «لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ»! 


لقد أعلن القضاة نتائج الانتخابات، وأصدروا أحكاما تتعلق بجرائم فى حق الأمة والثورة، والجميع الآن يتساءل: «ماذا نفعل؟»..  وبغض النظر عن إجابة السؤال المنطقى: «هل يمكن أن يكون الحق ركيك اللسان؟ وهل يمكن أن يكون الباطل فصيحا؟»، أقول: وجهة نظرى فى الإجابة عن هذا سؤال «ماذا نفعل؟» أكتبها غدا بإذن الله.

رابط المقال على موقع اليوم السابع